HQDRR

HQDRR

Partager

“في هذه القرية ، لا شيء يموت… الذكريات فقط تغيّر وجوهها”

13/02/2026

يقترب شهر رمضان.
أشعر به قبل أن أراه في التقويم ، في صمت الليالي ،
وفي ذلك الفراغ الذي يتسع في صدري كلما ذُكر اسمه.
الناس تستعد.
بيوت تُنظَّف ، موائد تُحضَّر ، ضحكات مؤجلة تنتظر أول أذان.
أما أنا…
فأستعد بطريقتي الخاصة:
أُعدّ وحدتي ، وأرتّب حزني ،
وأتأكد أن لا أحد سيسأل إن كنت بخير.
رمضان يأتي هذه السنة
وأنا ما زلت كما أنا:
وحيدًا ، منهكًا ، أحمل داخلي أوجاعًا لا يعرفها أحد،
ولا يملك أحد الوقت ليسمعها.
أكثر ما يؤلمني
ليس الجوع،
بل فكرة أن أفطر وحدي،
أن أسمع الأذان
ولا أسمع صوتًا آخر يناديني.
أبالغ في ألمي؟
ربما.
لكن من غيري يشعر بما أشعر؟
من يعرف ثقل أن تعيش شهرًا كاملًا
وأنت ضيف ثقيل على نفسك؟
في هذا العالم ، تعلّمت أن لا أنتظر كثيرًا من البشر.
ولهذا…
أقولها بلا خجل ، وبكل مرارة:
شكرًا لصديقيّ الوحيدين الخمر والحشيش.
لم يسألاني يومًا لماذا سقطت،
ولا طالباني بأن أكون قويًا.
كانا هناك ، حين غاب الجميع ،
وحين لم يبقَ لي سوى نفسي المتعبة.
رمضان قادم،
وأنا لا أعرف إن كنت أملك ما يكفي من القوة لأكون أفضل ، ولا ما يكفي من الإيمان لأتغير.
لكنني أعرف شيئًا واحدًا فقط:
أن الألم لا يصوم،
والوحدة لا تفطر.
ومع ذلك…
رغم هذا السواد كله ، ورغم قلبي الذي أنهكه الانتظار ، أتمنى للناس ما لا أملكه.
رمضان كريم للجميع.
لمن يملكون دفء العائلة ،
ولمن يفطرون وحدهم مثلي ،
ولمن يخفون وجعهم خلف ابتسامة صامتة.
رمضان كريم…
حتى على القلوب المتعبة. 🖤

27/01/2026

لم تعد الحياة تقسو عليّ دفعةً واحدة،
بل تعلّمت أن تفعل ذلك بالتقسيط.
خذلانٌ صغير اليوم،
ثم آخر غدًا،
حتى أجد نفسي بعد سنوات
مثقلًا بأحمال لا أتذكر متى وافقت على حملها.
الألم لم يعد طارئًا،
صار حالةً مستقرة،
كأن جسدي وقّع عقدًا طويل الأمد مع الخيبة
دون أن يقرأ البنود.
أجلس الآن وأستعرض ما مضى،
لا لأتعلم،
بل لأتألم.
أندم…
ليس على الأخطاء الكبيرة فقط،
بل على تلك اللحظات الصغيرة
التي كان يمكن أن أكون فيها أفضل
واخترت ألا أكون.
أندم على الصمت حين كان الكلام سينقذني،
وعلى الكلام حين كان الصمت أرحم.
أندم على أشخاص منحتهم أكثر مما أملك،
وعلى آخرين خسرتهم
لأنني لم أملك شيئًا أصلًا.
الخيبات لم تأتِ دفعة واحدة،
جاءت متتابعة،
كأمواجٍ صغيرة لا تُغرقك فورًا
لكنها تُتعبك
حتى تنسى شكل الشاطئ.
كل مرة قلت فيها:
"هذه الأخيرة"،
كانت الحياة تبتسم بسخرية
وتقول:
"لا… ما زال في الجعبة المزيد".
كبرتُ،
لكن ليس بالحكمة التي يتغنى بها الناس،
كبرتُ بالتعب،
بثقل الذكريات،
وبذلك الإحساس اللعين
أنك تأخرت كثيرًا عن كل شيء.
لم أعد أغضب كما كنت،
ولا أحلم كما يجب،
ولا أصدق كما ينبغي.
صار قلبي حذرًا أكثر من اللازم،
متعبًا أكثر من اللازم،
وحزينًا بلا سبب واضح…
أو ربما بسبب كل شيء.
أقسى ما في الأمر
أنني لم أعد أبحث عن السعادة،
كل ما أريده الآن
هو يومٌ يمرّ دون أن يخذلني.
لكن حتى هذا
صار طلبًا كبيرًا.

07/01/2026

استيقظتُ من سباتٍ طويل،
كأن النوم كان منفًى لا ذاكرة له.
الكوخ صامت،
والهواء الذي يتسلّل من الباب الموارب
كان أخفّ من المعتاد،
كأنه يحمل وعدًا صغيرًا
لا أعرف إن كنتُ أستحقّه.
في الخارج،
كان الصباح جميلًا على نحوٍ مربك،
السماء صافية،
والضوء لا يجرح العين،
شيء نادر الحدوث في حياتي.
خرجتُ دون تفكير،
لم أحمل معي شيئًا،
ولا حتى سببًا واضحًا للمغادرة.
قدماي تولّتا الأمر،
قادتا جسدي المتعب
نحو طرقٍ لم أخطّط لها،
كأنهما تعرفان شيئًا
لم يخبراني به بعد.
مشيت طويلًا،
حتى ابتعد الكوخ عني
وصار مجرد ذكرى خلف الظهر،
وسرتُ في شوارع لا تشبه الليل
الذي أسكنه عادة.
هناك،
وفي شارعٍ مفتوح على الضوء،
رأيتها.
التقت عيناي بعينيها،
وتوقّف داخلي شيءٌ ما
كان يدور بلا توقف منذ سنوات.
لم تكن نسخة من حلم،
ولا صورة مكتملة،
لكنها تحمل ذات الأثر،
ذات الرجفة الخفيفة
التي كانت توقظني ليلًا
حين تزورني تلك الفتاة الغامضة
في نومي.
مرت بجانبي،
وتركت خلفها فراغًا
لم أحتمله.
تبعتها بخطوات مترددة،
لا بدافع التملك،
بل بدافع الخوف من الفقد،
كأنني إن توقفتُ
ستختفي إلى الأبد.
وحين وصلتُ إلى باب منزلها،
أدركتُ ثقل ما فعلت،
شعرتُ بالخجل يتسلّل إليّ
كما يتسلّل البرد إلى عظامي،
خصوصًا حين سمعتُ صوت صديقتها السمراء
يناديها باسمها الدافئ.
في تلك اللحظة فهمتُ
أنني لم أكن ألاحقها،
بل ألاحق ذلك الجزء الباقي فيّ
الذي ما زال يصدّق
أن الحياة قد تمنح فرصة
حتى لمن أساء فهمها طويلًا.
وقفتُ هناك لحظة إضافية،
ثم استدرتُ ببطء،
كمن ينسحب من حلم
قبل أن يُفضَح.
عدتُ أدراجي،
والشارع بدا أطول مما كان،
لكن قلبي أخفّ قليلًا.
لم أربح شيئًا،
ولم أخسر شيئًا،
غير أنني أدركتُ
أن الشعور بالحياة
ما زال ممكنًا،
حتى لو جاء على هيئة نظرة عابرة،
أو خطيئة صامتة
لا يعلم بها أحد.
عدتُ إلى كوخي،
لكنني لم أعد كما خرجتُ.
ففي مكانٍ ما داخلي،
شيء صغير
عاد يتنفّس.

01/01/2026

حوار يبدأ بالخمر
بدأتُ الليلة كما أبدأ كل لياليّ الثقيلة.
بالخمر.
زجاجة باردة بين يديّ، أضمّها كما لو كانت شيئًا حيًّا،
أرفعها إلى فمي ببطء،
لا استعجال… فالليل طويل، وأنا لا أحد ينتظرني.
الشمعة الصغيرة ترتجف،
والبرد يعضّ أطرافي،
والثلج في الخارج يهبط بصمت،
كأنه يعرف أن الضجيج هنا، في الداخل.
رشفة…
ثم أخرى.
كلما غصتُ أعمق في السكر،
كلما خفّ هذا العالم قليلًا،
وتباعدت الجدران،
وتوقفت رأسي عن الصراخ.
عند الرشفة الثالثة…
شعرتُ بها.
لم ألتفت فورًا.
هي لا تحب العجلة،
ولا تأتي إلا حين أكون نصف غائب، نصف حي.
قالت بهدوء لم أسمعه منها من قبل:
— لماذا تشرب وكأنك تريد أن تختفي؟
تجمّدت يدي في الهواء.
هذه المرة… لم تكن صامتة.
ضحكتُ بخفوت، كأنني أخشى أن أوقظ نفسي:
— غريب… الليلة قررتِ الكلام؟
لم تجب.
كانت واقفة قرب الجدار كما دائمًا،
ملامحها غير مكتملة،
كأنها فكرة لم تُكتب بعد.
شربتُ رشفة أخرى، أثقل.
— لا تظهرين إلا حين أثمل…
حين أكون ضعيفًا بما يكفي لأراك.
اقتربت خطوة.
— أنت لا تراني… أنت تسمح لي بالظهور.
سألتها أخيرًا، بصوت مبحوح:
— من تكونين؟
ساد صمت طويل.
حتى الشمعة خفّ ضوؤها،
كأنها تنتظر الجواب.
قالت بعد لحظة:
— الأسماء تفسد الأشياء.
— إذن ماذا تريدين؟
— لا شيء… أنا هنا لأنك وحدك.
هززتُ رأسي.
— الجميع وحدهم…
لكنني الوحيد الذي تزورينه.
جلست أمامي، دون أن تلمس الأرض.
— لأنك لا تطلب الخلاص…
أنت تطلب النسيان.
تنهدتُ:
— والنسيان لا يأتي إلا بالخمر… وبكِ.
نظرت إلى الزجاجة.
— وأنا لا أجيء إلا حين تفتحها.
حاولتُ أن ألتقط ملامحها بنظري.
— لماذا تتكلمين الآن؟
كنتِ صامتة في كل الليالي السابقة.
قالت بصوت أشبه بالهمس:
— لأنك هذه المرة لم تشرب لتنساني…
شربت لتتذكر.
أغمضت عينيّ.
— أتذكر ماذا؟
— أنك منذ زمن…
لم تعد تنتظر أحدًا.
شربتُ آخر ما في الزجاجة.
كانت فارغة…
لكن صدري أثقل.
حين فتحتُ عينيّ،
كانت الشمعة توشك على الانطفاء،
والثلج ما زال يهطل،
وهي ما تزال هناك.
لم تقل شيئًا آخر.
ولم أسأل.
فبعض الأسئلة،
إن وُجد لها جواب،
انتهت الحكاية. 🖤

20/12/2025

أطول ليلة… وزائرة لا تأتي

في أطول ليلة من العام، حين يشتدّ البرد حتى يصير كائنًا يتسلّل من الشقوق، جلستُ على أرض كوخي كمن يجلس داخل صدره. الشمعة الصغيرة أمامي ترتجف، لا لأن الهواء يعصف، بل لأن الليل نفسه يتنفّس. أشرب لأدفأ فلا أدفأ، أمدّ يدي إلى لفافتي فأشعر أنّ الدخان يبرد قبل أن يبلغ رأسي. الجورب الممزّق لا يستر قدميّ، والبرد يعضّهما كما لو كان يعرف اسمي.
هذه الليلة أعرفها؛ يقال إنها الأطول، لكنهم لا يعرفون أن طولها الحقيقي يقاس بما تحتمله الروح. الساعات هنا لا تمشي، تزحف. كل دقيقة تمرّ تُسقط شيئًا منّي على الأرض. أنظر إلى الظلال على الجدار، أتخيّلها تُعيد ترتيب نفسها كي تترك مكانًا لزائرة اعتادت أن تأتي حين ينهكني الانتظار. أهي عادة؟ أم خدعة اعتدتُ تصديقها؟
أضع الشمعة أقرب قليلًا، كأن الضوء سيُغريها بالحضور. أترك المسافة التي كانت تجلس فيها، أنفض الغبار عن الحصير، وأصغي. لا صوت سوى طقطقة الشمع وهو يذوب ببطء، ببطءٍ يشبه ذوباني. في الليالي السابقة كانت تمرّ كنسمة، لا تلمس الأشياء لكنها تغيّرها. كنتُ أمدّ يدي فلا أقبض إلا على نور، وأبتسم كمن وجد سببًا مؤقتًا ليبقى.
تمرّ ساعة. ثم أخرى. أعدّ أنفاسي كي لا أسمع الصمت. أتذكّر كيف كانت تأتي دون موعد، وكيف كنت أتهيّأ لها دون وعي. الليلة، وأنا مستعدّ أكثر من أي وقت، لا تأتي. أضحك ضحكة قصيرة، سوداء، وأقول لنفسي: ربما تأخّرت. أطيل النظر في الفراغ حتى يوجعني.
الكوخ يبرد أكثر، والشمعة أقصر. أفكّر أنّها إن لم تأتِ الآن فلن تأتي. الفكرة ثقيلة كحجر. أجرّ رشفة أخرى، لا لشيء سوى أن أملأ الفراغ بيني وبين الغياب. أتساءل: هل كنتُ أستدعيها أم كانت تستدعيني؟ وهل يمكن للوهم أن يملّ من صاحبه؟
منتصف الليل يمرّ بلا أثر. لا ظلّ، لا همسة، لا ارتعاشة في الهواء. أشعر بشيء ينكسر في صدري، ليس حادًا، بل هادئًا كاستسلام. أفهم فجأة أنّ الخذلان لا يحتاج شاهدًا؛ يكفي أن يحدث. أقول بصوت لا يسمعه أحد: حتى خيالاتي هجرتني.
أطفئ الشمعة بيدي، لا نفخًا، كمن يخشى أن يوقظ الأمل من جديد. يعود الظلام كاملًا، صادقًا، بلا وعود. أستلقي، أضمّ قدميّ إلى صدري، وأترك للخمر واللفافة مهمتهما القديمة: أن يغطّيا البرد حين يعجز الجسد، وأن يُسكنا الضجيج حين يعجز القلب.

في أطول ليلة من السنة، لم يزرني أحد… ولا حتى التي لا وجود لها.

16/12/2025

استيقظت مرة اخرى كالجرذ القذر.

رائحة الخمر الثقيلة تتسلل من فمي. تلاحق الليالي التي لا تنتهي.

الليل.
الضغط.
الصدور المثقلة.

قررت الذهاب للمقبرة المكان الذي لا يرحم. المكان الذي لا ينسى.

وصلت.
ظلال تحيط بالشواهد.
جلست وحيدا كالعادة احتسي الخمر و ادخن الحشيش.
الصمت. ثقيل. حتى أن كل فكرة تصبح مجرد صدى.

ما هي إلا لحظات حتى ظهرت سيارة على متنها 3 رجال و فتاة في مقتبل العمر!
اختبأت بين الظلال حتى لا يلاحظوا وجودي.

همسات قصيرة. ضحكات ثقيلة. تخترق الصمت.
واحدا تلو الآخر.
تداوَلوا عليها بالواحد.
نقود تتبادل.

أسئلة تنهال:
أين أهلها؟
كيف وصلت إلى هنا؟
لماذا في هذا المكان؟
لماذا في هذا الليل؟

المفارقة قاتلة.
أنا أشرب لأنسى.
وهي تبيع جسدها لتعيش.
كلاهما ضحية. لكن بطريقتين مختلفتين.

الظلال تتحرك.
الهمسات تملأ الفراغ.
الليل يزداد سوادًا.
كل لحظة تزيد الانكسار.
التحسر على ما آل إليه البشر.

أدركت.
بعض الليالي لا تحتملها القلوب.
بعض المشاهد لا يغسلها إلا صمت المقبرة الأبدي.

12/12/2025

الحلقة 11 : الطريق إلى القبر المنسي

استيقظتُ هذه الليلة بصعوبة، كأن النوم كان يحاول أن يحميني من شيء لا يريدني أن أراه.
فتحت عيني على ظلام الكوخ، وعلى الشمعة الصغيرة التي تترنح كمن يخاف السقوط.
لم يكن في داخلي سوى جفافٍ ثقيل… جفاف يتركه الخمر حين ينسحب من الدم ببطء، فيترك الرأس بلا وزن، والجسد بلا رغبة في النهوض.

نهضتُ أخيرًا، مستندًا إلى الجدار، أشعر أن قدميّ لا تقويان على حملي.
ارتديتُ معطفي البالي، وحشرتُ يدي في جيبٍ مليء بفتات التبغ.
خرجت من الكوخ إلى هواء الليل، وكان البرد يلسع وجهي كما لو أنه يذكّرني بأنني ما زلت هنا… ما زلت حيًا رغم كل شيء.

مشيت بين الأزقة الترابية لقرية الغسق، أختار الظلال بدل الضوء، وأتجنّب العيون بدل الوجوه.
لا شيء يؤلمني أكثر من نظرة شفقة… أو نظرة احتقار… أو حتى نظرة عابرة لا ترى وجودي أصلًا.
كنت أحني رأسي، وأتقدم ببطء، أجرّ خطواتي كما لو أنني أحمل تاريخًا ثقيلاً على ظهري.

عند المقهى، وقفت للحظة.
لم أدخل، ولم أبحث عن مقعد.
اكتفيت بأن أطرق الطاولة بظهري إصبعي ثم قلت بصوت بارد:
«قهوة سوداء… ثقيلة.»

ناولني صاحب المقهى الكأس دون أن يسأل شيئًا، وكأنه يعرف أن الحديث معي مضيعة للوقت.
أخذتها ورحلت فورًا.
كان البخار يصعد منها كما لو أنه روح تنفصل عن جسدٍ دافئ.
شربت منها رشفة، فلدغني مرارها، لكنني أحببت تلك اللدغة… أحببت قسوتها لأنها تشبهني.

واصلت طريقي نحو المقبرة القديمة.
ذلك المكان الذي لا يملّ من استقبالي، ولا يطلب مني تبريرًا لوجودي.
هناك، خلف البوابة المتهالكة، كان الليل أكثر هدأة، والهواء أكثر صدقًا، والصمت أكثر رحمة.

وصلت إلى القبر ذاته… القبر الذي لا أعرف صاحبه، لكنه صار الأقرب إليّ من كل الأحياء.
جلست أمامه كما أجلس عند صديق قديم، وأسندت ظهري إلى الشجرة الكئيبة التي تنتصب مثل ظلٍّ بلا حياة.
وضعت كأس القهوة جانبي، وأخرجت الزجاجة من جيبي.
كانت هدية من أحد الأصدقاء الذين ما زالوا يتفقدونني بين حين وآخر، رغم كل شيء.
فتحتها ببطء، كأن فتحة الزجاجة هي الباب الوحيد الذي ما زال ينفتح لي في هذا العالم.

رفعت الزجاجة نحو فمي ورشفت رشفة طويلة، أحسست معها أن شيئًا ما يعود إلى السكون داخلي.
وقد يحدث هذا فقط مع الخمر… ومع الحشيش.
رفاقي اللذان لا يبتعدان، ولا يخونان، ولا يسألان.

قلت للقبر بصوت خافت:
«أتعلم؟ حين أصل إلى هنا… أشعر أنني أعود إنسانًا قليلًا.»

مددت قدمي أمامي، وتركت رأسي يتكئ إلى الخلف.
كان البرد يحيطني من كل جهة، لكن الحرارة التي انزلقت في صدري من الشراب صنعت فراغًا جميلًا… فراغًا يحجب وجعي قليلًا.

لم أعرف لماذا اخترت هذا القبر بالذات.
ربما لأن الحجر البارد يشبهني…
أو لأن صاحب القبر عاش شيئًا من وحدتي…
أو ربما لأن الموتى وحدهم مَن لا يخافون من مَن أصبح مثلي.

رفعت الزجاجة مرة أخرى، وشربت من دون تردد، ثم مررت يدي على اسمي الذي لم يكن منقوشًا على الحجر… لكنني شعرت بأنه سيكون هنا يومًا ما.

ثم جاءت النهاية…

وضعت يدي على الحجر البارد…
شعرت بقشعريرة تسري في ظهري، ليست من البرد… بل من شيء آخر لا أعرفه.
جلست أمام القبر، وأسندت ظهري إلى الشجرة كعادتي، ثم أخذت رشفة طويلة من الزجاجة.

قلت بصوت مكسور:
«حين آتي إلى هنا… أشعر أنني أستعيد جزءًا ضائعًا مني.»

أغمضت عيني، وتركت رأسي يتدلى إلى الأمام.
ليس حزنًا فقط…
بل تسليمًا.
استسلامًا لليلة أخرى يختلط فيها دخان الحشيش برائحة التراب البارد.

شربت رشفة ثانية…
وثالثة…
ثم مسحت فمي بكمّي الممزق.

نظرت إلى القبر مرة أخيرة، وقلت:
«لا أعرفك… لكنني أحسستك أقرب من كل الذين ما زالوا يمشون فوق الأرض.»

ثم نهضت بصعوبة.
القهوة بردت… الزجاجة نقصت… وأنا؟
أنا عدت أتعثر بين الشواهد، أحاول أن لا أنهار.

مشيت وأنا أهمس:
«ربما أعود غدًا… وربما أجد اسمك.»

وتركت المقبرة خلفي كأنني أترك جزءًا من صدري هناك.

10/12/2025

الحلقة 10: حيث لا يسأل أحد...

أستيقظ ليلًا دون سبب واضح، كأن الليل هو من ناداني باسمي. الكوخ غارق في العتمة، والشمعة الصغيرة ترتجف أمامي كقلبٍ خائف. لا أفكّر كثيرًا، أجرّ جسدي خارجًا، فالبقاء هنا أصعب من البرد نفسه.
قدماي لا تقويان على حملي، ومع ذلك أمشي. أمشي بين الأزقة متحاشيًا رؤية الناس، متحاشيًا وجوهًا لا أريد أن تنظر إليّ ولا أريد أن أتذكرها. الطريق يعرفني، والحجارة تحفظ ثقل خطوتي.

أمرّ بالمقهى. لا أجلس. لا أملك رفاهية الجلوس. أطلب كأس قهوة… سوداء، ثقيلة، مرّة بلا شفقة. أمسك الكأس بيدٍ مرتجفة، أرتشفه دفعة واحدة كأنني أبتلع العمر كله، ثم أخرج. لا شيء لي هنا سوى هذا الطعم المؤلم الذي يبقيني واقفًا دقائق إضافية.

أكمل طريقي نحو المقبرة القديمة. كلما اقتربت، خفّ صدري، كأن الهواء هنا يعرفني أكثر. هنا لا أحد يسأل، لا أحد يراقب، لا أحد ينتظر مني شيئًا. أجلس حيث أحب، بين القبور الصامتة التي لم تخن أحدًا قط.
أُخرج زجاجة الخمر، أفتحها بطمأنينة غريبة، كأنني عدت إلى بيتي الحقيقي. كانت هدية من صديق مزال يتفقدني بين الحين والآخر ربما يخاف أن أموت وحيدا دون شاهد… صديق يعرف أن سؤالي لا يكون بالكلام، بل بزجاجة.

أشعل لفافتي، يتصاعد الدخان ببطء، يمتزج مع برد الليل ورائحة التراب الرطب. أبتسم… نعم، أبتسم. فرحة صغيرة، قذرة، لكنها صادقة. هنا فقط أشعر أنني أفعل ما أحب، في المكان الذي اخترته لنفسي، بعيدًا عن البشر وأحكامهم.
الخمر تُدفئ رأسي، والحشيش يُهدئ ضجيج الأفكار. أشعر بالخفة، لا كمن نجا، بل كمن استسلم أخيرًا.

أفكّر أنني وحيد منذ زمن طويل، بلا زوجة، بلا عائلة، بلا جذور حقيقية. لكن في هذه اللحظة… لا يؤلمني ذلك. المقبرة لا تذكّرني بالموت، بل بالراحة. هنا لا أحتاج إلى التظاهر، ولا إلى الشرح، ولا إلى النجاة.

أرفع رأسي إلى السماء، النجوم بعيدة، غير معنيّة بي، وهذا ما يعجبني فيها. أواصل الشرب، أواصل النسيان، وأترك الليل يحتويني كما يفعل كل مرة.
قد لا تكون هذه حياة تُحكى، لكنها الحياة الوحيدة التي قبلت أن تبقى معي… وأنا قبلت بها كما هي.

تصبحون على خير يا أبنائي...

08/12/2025

الحلقة 9: رسالة لم تُرسل أبداً

أبدأ هذه الليلة بالخمر، كالعادة…
ليس لأنني أحب طعمها، بل لأنها الشيء الوحيد الذي لا يسألني لماذا ما زلت حيًّا.
أملأ الكأس حتى الحافة، أترك الحشيش مفتوحًا قرب الشمعة الصغيرة، وأنتظر أن تخفّ وطأة الوعي قليلًا… فقط قليلًا.

الكوخ بارد، جدرانه متعبة مثلي، والريح تعزف في الشقوق لحنًا قديماً أعرفه عن ظهر قلب.
تتحرّك الظلال على الحائط، فأتخيّل للحظة أنكِ هنا… ثم أضحك.
حتى خيالاتي صارت كسولة، تزورني ثم تهرب.

وأنا أفتّش تحت الفراش عن لفافة سقطت البارحة، لمستُ شيئًا ورقيًّا.
ورقة صفراء… مطويّة بعناية لا تشبهني.
عرفتها قبل أن أفتحها.
رسالة.

الغريب أنني لا أتذكّر متى كتبتها، ولا لمن.
خطّي كان أنظف، أكثر صبرًا، أقل رَجَفانًا.
كأن رجلاً غيري مرّ من هنا ذات يوم، وترك روحه بين السطور وهرب.

«إلى من ستأتي…
إن أتيتِ يوماً ولم تجدي سوى هذا الكوخ، فلا تخافي.
القبح هنا ليس مؤذياً، والوحدة صوتها عالٍ فقط.»

توقّفت.
ضحكت ضحكة قصيرة، موجوعة.
حتى في رسائلي القديمة كنت أعتذر مسبقًا عن حياتي.

أكملت القراءة، والكأس في يدي يرتجف، لا أدري إن كان من البرد أم منّي.

كتبتُ عن امرأة لم تكن زوجتي، ولم تكن عابرة.
عن حلم بسيط: فنجان قهوة لا أشربه وحدي،
صوت في الصباح،
خطوات أخرى في هذا المكان الملعون.

كتبتُ كأنني كنت واثقًا أن أحدًا سيأتي.
كأن العالم كان أقل قسوة،
وأقل سرعة في سحقي.

تساءلت…
هل كنت أقصد تلك الفتاة التي تزورني الآن في أحلامي؟
أم امرأة حقيقية ضاعت لأنني كنت أؤجّل نفسي دائمًا؟
لأنني كنت أظن أن الغد أرحم؟

الرسالة لم تُرسل.
ولا حتى اكتملت.
انتهت عند جملة مبتورة، مثل حياتي تمامًا.

«إن تأخّرتُ عن الفرح، فسامحيني…»

لم أكتب بعدها شيئًا.
ربما لأنني لم أعد أؤمن بالسامح.
ولا بالتأخير.
ولا بي.

الشمعة تذوب ببطء، كما يذوب اسمي من ذاكرتي.
أطوي الرسالة وأعيدها مكانها،
ليس لأنني أحترم الماضي،
بل لأنني لا أحتمل فتحه أكثر.

أمدّ يدي إلى الزجاجة.
الخمر لا تخذلني أبداً.
أشعل لفافتي،
الحشيش يعرف كيف يُسكِت كل الأسئلة الغبية.

في حضرتهما لا أحتاج رسالة،
ولا امرأة،
ولا ماضٍ نظيف.

هما يقفان بجانبي حين يختفي الجميع،
ومعهما…
أنسى أنني كنت يومًا أنتظر أحدًا.

تصبحون على ما تبقّى منّي.

07/12/2025

أنا أكره هذه القرية اللعينة...

27/11/2025

الحلقة 8 : ليلة بلا دخان

بدأت الليلة برشفة من الخمر…
أو هكذا ظننت.
مددتُ يدي في العتمة، أبحث عن الزجاجة، عن اللفافة، عن أي شيء يخفف هذا الثقل الجاثم فوق صدري.
لم أجد سوى الفراغ.
الطاولة خشنة، باردة، كأنها تسخر مني.
الشمعة الصغيرة ترتجف أمامي، لهبها ضعيف، تمامًا مثلي.

لم أعرف أن الليل يمكن أن يكون قاسيًا إلى هذا الحد دون خمر.
لم أعرف أن الصمت، حين يصبح صاحيًا، يستطيع أن ينهش الروح بلا رحمة.

الكوخ يتنفس بردًا.
الجدران تئن مع الريح.
جوربي الممزق لا يحميني من شيء، والبرد يتسلل كإبرة بطيئة إلى قدميّ.
أرتجف، لا أعلم إن كان من الصقيع أم من الخوف…
الخوف من نفسي، حين لا أكون مخدَّرًا.

لأول مرة منذ زمن طويل، كان عقلي حاضرًا.
حاضرًا زيادة عن اللزوم.
كل ذكرى عادت كاملة، بلا تشويش، بلا ضباب.
القرية كما كانت، قبل أن تصير أطلالًا في ذاكرتي.
الضحك في الأزقة الترابية.
الأصوات الدافئة.
الأيدي التي كانت تمتد للمساعدة دون سؤال.

وأنا الآن؟
وحيد.
لا زوجة، لا أهل، لا أحد يسأل إن كنت حيًا أم مجرد ظل آخر في هذا الليل.
حتى تلك الفتاة…
التي تزورني في أحلامي، لا تأتي إلا عندما أنام هاربًا.
أما وأنا صاحٍ، فلا شيء سوى الفراغ.

الشمعة توشك أن تنطفئ.
وأنا معها.

في هذه الليلة، فهمت شيئًا لم أرد فهمه من قبل:
أنا لا أشرب لأفرح،
ولا أتعاطى لأنسى فقط…
أنا أفعل ذلك لأُسكت هذا الصوت داخلي.
هذا الصوت الذي يذكّرني بكل ما كنتُه، وكل ما لم أعد عليه.

مرت ساعات… أو ثوانٍ، لا أدري.
الوقت بلا خمر يفقد شكله.
لكن الألم كان واضحًا، صريحًا، وقحًا.

وعندما عاد الصباح يطرق باب الكوخ بخجل،
عدتُ أنا إلى حيث أعرف الطريق جيدًا.
إلى الزجاجة.
إلى الدخان.

ليس لأنهما حلّ…
بل لأنهما الوحيدتان اللتان لم تتخليا عني.

معهما، يصمت الصوت.
يهدأ البرد قليلًا.
وتعود الذكريات إلى أماكنها البعيدة.

ربما لستُ قويًا بما يكفي لأواجه نفسي كل ليلة.
وربما الخمر والحشيش لا ينقذانني…
لكنهما، على الأقل، يقفان بجانبي
حين لا يفعل أحد.


Vous voulez que votre entreprise soit Gym la plus cotée à Algiers ?

Cliquez ici pour réclamer votre Listage Commercial.

Emplacement

Adresse

Algiers