17/01/2026
تكشف بعض الأحداث البسيطة في ظاهرها عن أزمات عميقة في المجتمع، و عن اختلالات نفسية و ثقافية أخطر بكثير مما نتصور، من بين هذه الأحداث، ما وقع اليوم حين حلت شخصية أجنبية تافهة مشهورة فقط بعدد متابعيها، لا بقيمة ما تقدمه ضيفا على الجزائر العاصمة، حيث قوبل باستقبال أسطوري مبالغ فيه، و كأنه رئيس دولة أو شخصية تاريخية أو علمية ذات وزن فكري أو إنساني، جاب هذا التافه الشوارع، و تسابقت خلفه الكاميرات، و تحول وجوده إلى حدث وطني مصطنع، رغم أن محتواه لا يتجاوز التفاهة و لا يقدم أي إضافة حقيقية للعالم، مئات الشباب و الشابات يتهافتون عليه و يجرون خافه في شكل مخزي.
هذا السلوك لا يمكن فهمه خارج إطار تقديس الشهرة الفارغة و الهوس بالآخر، حيث يصبح الأجنبي (لمجرد كونه أجنبيا و مشهورا) قيمة بحد ذاته، دون أي معيار موضوعي للجدارة أو الاستحقاق، و هنا لا نتحدث عن انفتاح ثقافي أو فضول طبيعي، بل عن حاجة نفسية جماعية لمنح الشرعية من الخارج، حتى لو كانت هذه الشرعية بلا مضمون.
غير أن المشهد انقلب رأسا على عقب عندما توجه عشية اليوم لحضور مباراة نهائي كأس السوبر الجزائري الذي جمع فريقي العاصمة المولودية و الاتحاد، و دخل أرضية الميدان مرفوقا بعدد كبير من مسؤولي الرياضة و الصحفيين إضافة لمرافقيه الخواص، قبل أن يتجه نحو مدرجات التراس المنعرج الجنوبي، هناك، اصطدم بمنظومة مختلفة كليا، منظومة تعيش الشغف بعيدا عن أي تصنع، منظومة لا تعترف بالأسماء اللامعة و لا بالشهرة التافهة و لا بالبروباغندا الإعلامية، فقوبل بالرفض، و رُشق بالقارورات و المياه، و اضطر إلى مغادرة المكان مسرعا.
هذا التصرف، بعيدا عن أي قراءة سطحية، لا يمكن فصله عن ثقافة الألتراس و مبادئ المنعرج الجنوبي و مبادئه الصارمة : رفض الاستغلال، رفض المتاجرة بالجماهير، رفض تحويل المدرجات إلى مسرح للإعلام أو منصة لتلميع أي شخص، مهما كان. فالألتراس لا تؤمن بالنجومية الفردية، و لا تسمح بتسليعها، كما أن من بين أهم مبادئها عدم الظهور الإعلامي و رفض الكاميرا، و هو ما كان سيتحول إلى انتهاك صريح لو تُرك ذلك المشهد يمر دون رد فعل.
غير أن الأخطر لم يكن في الحادثة نفسها، بل في ردود الفعل التي تلتها، فقد سارعت صفحات و شخصيات معروفة داخل البلد إلى مهاجمة الأنصار، و شيطنتهم، بل وصل الأمر إلى سبهم وسب أبناء بلدهم، دفاعا عن ذلك الشخص الأجنبي التافه، هنا يظهر بوضوح ذلك النموذج النفسي الذي تحدث عنه علماء الاجتماع و علم النفس : "المنبطح للأجنبي"، الذي يرى فيه كائنا مقدسا لا يجوز المساس به، حتى لو كان ذلك على حساب كرامته الجماعية أو مبادئه أو أبناء مجتمعه.
هذا السلوك لا ينبع من عقلانية أو وعي، بل من عقدة نقص متجذرة، حيث يشعر الفرد أن قيمته لا تكتمل إلا من خلال الدفاع عن الآخر، و أن الانتماء الرمزي للأجنبي يمنحه تفوقا وهميا على محيطه، فيتحول إلى مدافع شرس عن شخص لا يعرفه، ولا يمثل شيئا له، سوى أنه مرآة يرى فيها نفسه أكبر مما هو عليه.
إن ما حدث يختصر أزمة أوسع: أزمة وعي، و أزمة ثقة بالذات، و أزمة تقدير للمعنى، فحين تقدس التفاهة لأنها أجنبية، و تُدان جماعة لأنها متمسكة بمبادئها، نكون أمام خلل خطير في ميزان القيم، و حين يصبح الدفاع عن الغريب أولى من الدفاع عن كرامة أبناء البلد، فذلك ليس انفتاحا، بل اغترابا نفسيا كاملا.
الخطر الحقيقي لا يكمن في الأجنبي نفسه، بل في الشخص الذي يرى نفسه و أبناء مجتمعه أقل قيمة منه، فيستسلم نفسيا و يقدسه، هذه عقدة النقص و الانبطاح تنشأ من فقدان الثقة بالذات، قد تؤدي بك للتنازل عن قيمك و مبادئك حتى تصبح ديوثا، لا تغار على أهلك و محارمك و الأمثلة كثيرة جدا يعلمها العام و الخاص.
تحيا المولودية و يحيا المنعرج الجنوبي
مولودية القيم و المبادئ، منعرج القيم و المبادئ و الذي لا يمكنكم جره لقذاراتكم و لن تجعلوا منه خادما لأجنداتكم
20/08/2024
15/08/2023
24/05/2023