20/06/2026
كلمتين عالسريع / رَد ونقاش علمي
عندما يتحوّل الرد إلى منحى شخصي، يصبح من الضروري الرد على الرد، ولكن مع الحرص على إبقائه ضمن إطار علمي ومهني ومسؤول. لذلك، أرجو التوقّف عن تضليل الرأي العام والعودة إلى نقاش علمي مبني على الوقائع. في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، يصبح كل شيء ممكناً، وتُطرح شعارات مثل "صفر نفايات" على أنها حلول شاملة، فيما هي في الواقع طرح غير واقعي. هذه المقاربة تخلق لدى فئات واسعة، من الشباب المتحمّس إلى بعض الأكبر سنّاً، حالة من الأمل غير المستند إلى أسس علميّة صلبة. ومن المعروف عالمياً أن الترويج لشعار "صفر نفايات" غالباً ما يؤدّي، بشكل مباشر أو غير مباشر إلى إعادة إبراز "حلقة التخلّص: الحرق أو الطمر" كخيار إنقاذي، نظراً لدورها العلمي والعملي الضروري ضمن أي نظام متكامل. الحقيقة الأساسية التي لا يمكن تجاوزها هي أنّه لا يمكن، لا اليوم ولا مستقبلاً، إلغاء أي حلقة من حلقات الإدارة المتكاملة للنفايات، سواء كانت صلبة أو سائلة أو غازية، وخصوصاً في الواقع اللبناني والعربي لأن وبكل بساطة: صفر نفايات من سابع المستحيلات. المفهوم الدقيق هو Zero Waste to Landfills، أي تقليل الطمر إلى الحد الأدنى (توجيهات أوروبيّة 2035) مع التوجّه إلى استخدام تقنيات المعالجة الحرارية (التفكّك الحراري) للتخلّص من المتبقيات والمرفوضات. لكن للأسف، غالباً ما يتم انتقاء ما يريح الخطاب أكثر مما يعكس الواقع العلمي.
في هذا السياق، سبق أن طُرحت خلال أزمة النفايات في لبنان أفكار لمعالجة نفايات مختلطة ومخمّرة عبر تجفيفها وفرمها ومعالجتها كسماد ومحسّن تربة. بعيداً عن الشخصنة، البارحة واليوم وفي معمل بيت مري (معمل صفر نفايات لصاحبه الأستاذ زياد أبي شاكر) يُعاد طرح مقاربات تقوم على خلط مكونات نفايات حسّاسة مثل الفوط الصحيّة وحفاضات الأطفال، إضافة إلى نفايات عضوية مختلطة وبقايا ملاحم ومسالخ، ثم إخضاعها لعمليات تخمير وتجفيف وفرم بهدف إنتاج "داينمك كومبوست dynamic compost". وفق المعايير العلميّة المعتمدة أوروبيّاً ودولياً، تُصنّف هذه المكونات ضمن النفايات ذات المخاطر الصحيّة والبيئيّة، ولا يجوز إدخالها في مسارات التسميد Composting، لما لذلك من آثار كارثيّة على التربة والمياه وسلامة الغذاء. فإن تصنيف الفوط الصحيّة وحفاضات الأطفال كـنفايات منزلية خطرة تتطلب معاملة خاصة هو أمر محسوم علمياً، وإدخالها في عمليات إنتاج الكومبوست يُعد مخالفة للمعايير البيئية المعتمدة. في المقابل، عندما تتراكم مرفوضات غير قابلة للتدوير ولتزوير التدوير في معمل صفر نفايات في بيت مري، يتم التخلّص منها بالحرق في محرقة البقاع أو بالطمر المباشر في وادي لامارتين، ويُعاد توصيف المشروع إعلامياً من قبل أبي شاكر على أنه "معمل صفر نفايات".
وعند النقاش، يتم حصر التعريف بالنفايات المنزليّة فقط، رغم أن الإشكالية تشمل المخلّفات المنزليّة ومختلف أنواع المخلّفات. هذا التناقض يستدعي توضيحاً. إن حذف "حلقة التخلّص" من الخطاب، مع استخدامها عملياً عند الحاجة وبالخفاء❗️، يطرح إشكالية في الشفافية والأمانة والأخلاقيّة العلميّة. كما أن العديد من المراكز المشابهة اعترفت صراحة بدور الطمر والحرق ضمن منظوماتها، وهو ما تناولته في مقالاتي سابقاً في سلسلة "المحرقة والمطمر جزء لا يتجزّأ" وفي "تزوير التدوير" وفي "déjà vu".
أما على صعيد الحوكمة، فإن إتحادات البلديات تؤّدّي دوراً محوريّاً وفق القانون في التخطيط والتنفيذ والإشراف على مشاريع إدارة المخلّفات، بالتنسيق مع الجهات الرسمية والبحثيّة. والحلول الفعّالة تقتضي اعتماد مقاربات تكاملية، مثل المنهجية العنقودية التركيبيّة، التي تتيح معالجة كميات كبيرة ومتنوعة من النفايات ضمن إطار اقتصادي وبيئي متوازن، بخلاف المشاريع المحدودة النطاق على مستوى بلديّة منفردة. لقد تناولت في "السفير" و"الأخبار" هذه المقاربة بشكل واضح، وأكدت أن الحلول المتكاملة، بما فيها المطامر الصحيّة وتقنيات المعالجة الأخرى، تشكّل أجزاء لا تتجزّأ من النظام العام. ومع الوقت ومع تزايد الوعي، سيتراجع مستوى الرفض المُجتمعي Not In My BackYard NIMBY للمطامر الصحيّة وللمحارق البيئيّة.
التجارب اللبنانيّة الميدانية منذ عام 2005، في أكثر من منطقة، تستدعي تقييماً علمياً جدياً لمدى استدامتها وفعاليتها، خصوصاً في ظل غياب نماذج مثبّتة طويلة الأمد. وتجربة "معمل صفر نفايات بلاد جبيل وبيت مري للأستاذ زياد أبي شاكر" وتجربة "معمل صفر نفايات في صيدا لل International Business Consultants" مثال على ضرورة العودة إلى حلول متكاملة، بما فيها المطامر الصحيّة كجزء من منظومة شاملة. إن الشراكة بين القطاعين العام والخاص تبقى ضرورية، لكنها تتطلب ضوابط قانونية واضحة ورقابة علمية مستقلة، وإشراك المختبرات الرسمية والنيابة العامة البيئيّة. وعلى سبيل المثال، فإن خلط منتجات النظافة الشخصيّة مثل الفوط الصحيّة وحفاضات الأطفال Absorbent Hygiene Products مع النفايات العضوية لإنتاج سَماد compost هو ممارسة غير مقبولة وفق المعايير الأوروبية والدوليّة، حيث يتم توجيه هذه النفايات إلى الطمر أو الحرق. حتى في المدن التي تُطرح إعلاميّاً كنماذج "صفر نفايات" مثل مدينة سان فرانسيسكو، يتم تخصيص حاويات للنفايات المتبقيّة Landfill bin، والتي يكون مصيرها الطمر أو الحرق، ما يؤكد أن حلقة التخلّص لا يمكن إلغاؤها.
كما أن الإستناد إلى تقارير أو بيانات جزئيّة دون نقاش منهجية أخذ العيّنات أو شمولية النتائج، لا يكفي لإثبات نجاح نموذج معيّن. وفي المقابل، تؤكد دراسات صادرة عن الجامعة الأميركية في بيروت بالتعاون مع المجلس الوطني للبحوث العلمية، أن أي نظام مستدام لإدارة المخلّفات في لبنان (وغير لبنان) يتطلب تصميم وتشغيل مطامر صحيّة Sanitary Landfills كجزء أساسي من الحل: الممر الإلزامي. إن ما نطرحه هو مقاربة علميّة وعمليّة متكاملة، مع انفتاح على الابتكار الحقيقي ضمن أطر واضحة وخاضعة للرقابة. وتشمل هذه المقاربة جميع حلقات الإدارة، بما فيها حلقة التخلّص: الطمر والحرق ثم الطمر، كجزء لا يتجزّأ من النظام والإدارة المتكاملة. أخيراً، تجدر الإشارة إلى أن ناتج عمليات التسبيخ Biostabilization للنفايات العضويّة المختلطة يبقى مصنّفاً كنفايات، ويحتاج إلى طمر أو حرق، في حين أن السماد الفعلي ناتج عمليات التسميد Composting يتطلب مواد عضوية نظيفة ومفروزة من المصدر Green biowaste ضمن نظام دقيق ومعقّد.
أجدّد الدعوة إلى نقاش علمي هادئ ومبني على الوقائع، بعيداً عن التوصيفات المضلّلة، مع التأكيد على أهمية قراءة المقالات المطروحة بعناية، بانتظار استكمال هذا النقاش في مقالات لاحقة. ميدانيّاً، منذ عام 2016، تنظّم مجموعة معرفة Gk4D في برشلونة، بالتعاون مع شركائها المحليّين والدوليّين، مهمّات وجولات دراسيّة علميّة مخصّصة في المقام الأوّل لإتّحادات البلديّات. تأتي هذه المبادرات ضمن إطار تعزيز الدور المحوري للسلطات المحليّة في تحقيق التنمية الاقتصاديّة المحليّة المُستدامة. أطلقت مجموعة معرفة برنامج معالجة المخلّفات الصلبة والسائلة من خلال المنهجيّة العنقوديّة والتركيبيّة للتنمية الاقتصاديّة المحليّة المُستدامة Solid Waste & Sewage Treatment in a Cluster-Based Approach for Local Sustainable Economic Development: Exchange of Visits, Training Program and Sustainable Development Agreements، الذي يهدف إلى تمكين الفاعلين المحليّين عبر أنشطة تواصل وتدريب وتبادل خبرات، تجمع بين العِلم والممارسة وتواكب أحدث التطوّرات في الإقتصاد الأخضر والأزرق. يرتكز البرنامج على نقل المعرفة والتقنيّات المُبتكرة، وبناء القدرات المؤسسيّة والفنيّة، وتوسيع دائرة التعاون بين صُنّاع القرار، والجامعات، والشركات، ووسائل الإعلام المتخصّصة. كما تساهم الزيارات الميدانيّة في الإطّلاع على أفضل التجارب الأوروبيّة في مجالات معالجة النفايات، وإدارة الموارد، والحوكمة البيئيّة، ضمن مجتمع قائم على المعرفة والعلوم والتكنولوجيا.
عباس زهرالدين
مهندس زراعي
ماجستير تربية وتواصل من أجل التنمية المحليّة المستدامة
Rethink & Recover
27/01/2026