المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد

  • Home
  • Egypt
  • Cairo
  • المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد

المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد National Institute of Oceanography and Fisheries (NIOF) - Official Page
الصفحة الرسمية للمعهد القومى لعلوم البحار والمصايد

إن المعهد القومى لعلوم البحار والمصايد واحدا من إحدي عشر مركزا ومعهدا بحثيا تتبع وزارة التعليم العالي والبحث العلمى المصرية، وطبقاً للقرار الجمهورى رقم 436 لسنه 1986، فإن مهام المعهد تحددت فى الحفاظ على، وحماية، وتنمية المسطحات، والبيئات المائية المصرية، ومواردها الطبيعية على المستوى الوطنى والإقليمى.

اليوم العالمي للأنهار(27 سبتمبر 2026)----------------------------------------------------------------------------- #مقدم...
27/09/2026

اليوم العالمي للأنهار
(27 سبتمبر 2026)
-----------------------------------------------------------------------------

#مقدمة:
منذ فجر التاريخ، وقبل أن تعرف البشرية المدن والطرق والصناعة، كانت الأنهار هي الطريق الذي سلكته الحضارات نحو النور. فعلى ضفاف الأنهار الكبرى نشأت أقدم الحضارات علي الأرض: وادي النيل في مصر، ودجلة والفرات في بلاد الرافدين، والسند في باكستان، والأصفر في الصين. ولم يكن ذلك مصادفة، بل ثمرة لحقيقة علمية ثابتة: الأنهار هي شرايين الحياة على سطح الكوكب، فهي التي تنقل المياه العذبة من مصادرها إلى اليابسة، وتغذّي التربة، وتصون التنوع البيولوجي، وتتيح للإنسان الشرب والزراعة والتنقل والطاقة.

وتعد المياه العذبة التي تجري في الأنهار نحو %0.5 فقط من إجمالي مياه كوكب الأرض؛ إذ تحتل المحيطات المالحة نحو %96.5، وتتوزع البقية بين المياه الجوفية والمياه المتجمدة في القطبين، بينما يبقى نصيب الأنهار القابل للإستخدام المباشر ضئيلاً جداً بالقياس إلى حاجة البشرية المتنامية. ومع ذلك، يعيش على ضفاف الأنهار ويعتمد عليها أكثر من ثلثي سكان العالم، وتوفّر الأنهار نحو ثلثي احتياجات الري العالمي، وثلثي إنتاج الكهرباء المائية، فضلاً عن كونها موطناً لآلاف الأنواع من الأسماك والطيور والنباتات المائية التي تتكوّن منها السلاسل الغذائية لكوكب بأكمله.

ومع تسارع النمو السكاني والصناعي والزراعي خلال القرن الماضي، دخلت الأنهار مرحلة ضغط غير مسبوق: تلوّث متزايد، وتغيّر في مجاريها الطبيعية، واستنزاف مفرط لمواردها المائية. ومن هنا جاءت الحاجة إلى تخصيص يوم عالمي يوقظ الضمير الجمعي للبشرية، ويحوّل القلق العلمي على مستقبل الأنهار إلى وعي عام وفعلٍ حقيقي. وهذا ما يجسده اليوم العالمي للأنهار: عيد بيئي دولي يحتفل به سنوياً في آخر أحد من شهر سبتمبر، ومكرس لنشر الوعي حول حماية الأنهار والخزانات والأنظمة البيئية للمياه العذبة، وكذلك أهمية الاستخدام المستدام لموارد المياه.

إن الحديث عن الأنهار ليس ترفاً بيئياً، بل قضية بقاء: فلا غذاء بلا مياه ري، ولا طاقة نظيفة بلا أنهار جارية، ولا حياة برية ولا بحرية بلا أنهار صحية تصل المحيطات بمياه عذبة مغذّية. وبهذا المعنى، فإنّ صحة الأنهار هي مؤشر دقيق لصحة كوكب الأرض بأسره، ومن يحافظ على نهرٍ واحد فإنه يحافظ على جزء من توازن الطبيعة وإرث الإنسانية. وقد حثّ الله البشرية على العناية بالمياه وحمايتها والتغلب على جميع التحديات المتعلقة بها.

#أولاُ: تاريخ اليوم العالمي وأهدافه:
أُسس اليوم العالمي للأنهار بمبادرة من عالم البيئة الكندي مارك أنجيلو (Mark Angelo) عام 2005، وهو بحار أنهار ومستكشف مياه عذبة قضى عقوداً في التجول على أنهار العالم وتوثيق حالتها البيئية. لاحظ أنجيلو خلال رحلاته أنّ الأنهار التي رافقتها في طفولته تغيّرت إلى حد لا يعرف، وأنّ الصمت الدولي إزاء هذا التدهور يفوق الخطر نفسه؛ فالمشكلة لا تكمن في غياب العلم، بل في غياب الوعي والفعل.

كانت البداية على المستوى المحلي في كندا، حيث أطلقت مجموعات بيئية فعاليات للإحتفاء بالأنهار وتنظيفها، ثم توسعت الفكرة عبر المنظمات البيئية الدولية حتى صارت مناسبة عالمية تُقام فيها آلاف الفعاليات في عشرات الدول، بمشاركة ملايين المتطوعين والمدارس والجامعات والبلديات ومنظمات المجتمع المدني.

- تتمحور فكرة اليوم العالمي للأنهار الرئيسية حول ثلاث ركائز متكاملة:
1- جذب انتباه المجتمع الدولي إلى الوضع الحقيقي للأنهار، ونقل الصورة العلمية الدقيقة لا الانطباعات السطحية عمّا يحدث لمجاري المياه حول العالم، من تلوث وتغيّر وتناقص.
2- التأكيد على الدور المزدوج للأنهار حيث أنها ليست موارد طبيعية فحسب، بل أعمدة للأنظمة البيئية كلها، وشريان اجتماعي وثقافي واقتصادي في حياة الشعوب؛ فالنهر يصنع هوية المكان، ويربط الريف بالمدينة، ويحفظ ذاكرة الحضارات.
- 3 التحول من الوعي إلى الفعل وتشجيع الأنشطة العملية الهادفة إلى حماية المسطحات المائية واستعادتها، سواء على مستوى الفرد) تقليل الاستهلاك وعدم إلقاء المخلفات (، أو المجتمع )حملات التنظيف والتوعية(، أو الدولة )سياسات مستدامة لإدارة الأحواض المائية.

فهو تحويل الوعي المجتمعي بأهمية الأنهار إلى أفعال ملموسة على مستوى الأفراد والمؤسسات والحكومات، بحيث لا يبقى الحفاظ على الأنهار شعاراً يُرفع يوماً واحداً في السنة، بل أسلوب حياة يومي.

وبمرور السنوات، تحول اليوم العالمي للأنهار إلى منصة عالمية للحوار بين العلماء وسياسيي المياه والمجتمعات المحلية، وأصبح يتقاطع مع أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، ولا سيما الهدف السادس المتعلق بضمان توافر المياه النظيفة والنظافة الصحية للجميع.

#ثانياً: المشكلات المرتبطة بحال الأنهار:
1. التلوث .. الوجه الأخطر لأزمة الأنهار:
يعد التلوث أحد أبرز التهديدات التي تواجه الأنهار في العصر الحديث، وتتعدد مصادره وأشكاله، بين:
- التلوث الصناعي حيث تصب المصانع مجاري مياهها غير المعالجة محملة بالمعادن الثقيلة )الرصاص، الزئبق، الكادميوم، الكروم (والمواد الكيميائية السامة والزيوت المعدنية مباشرة في مجاري الأنهار؛ وهي مواد لا تتحلل بسهولة، بل تتراكم في أنسجة الأسماك والكائنات المائية، ثم تعود إلى الإنسان عبر السلسلة الغذائية لتسبّب أمراضاً خطيرة في الكبد والكلى والجهاز العصبي.
- التلوث المنزلي حيث يتم تفريغ مياه الصرف الصحي للمدن والقرى في الأنهار دون معالجة كافية، حاملة معها البكتيريا والفيروسات والنترات والفوسفات؛ مما ينذر بإنتشار الأمراض المنقولة بالمياه كالكوليرا والتيفوئيد، ويغذي ظاهرة الإغناء المغذيات (Eutrophication) حيث تتكاثر الطحالب بشكل مفرط فتستهلك الأكسجين الذائب وتحدث ما يعرف بـالمناطق الميتة التي تخلو من أي حياة مائية.
- التلوث الزراعي لأن الإستخدام غير الرشيد للمبيدات الحشرية والمخصبات الكيميائية في الزراعة يجعل مياه الري العائدة إلى النهر محمّلةً ببقايا هذه المواد، إضافة إلى التعرية التي تحمل التربة المغطاة بالأسمدة إلى قاع النهر فتخنقه وتغير خصائصه الكيميائية والبيولوجية.

والنتيجة هي تدهور جودة المياه، ونفوق النباتات والحيوانات المائية، وفقدان مصادر الرزق لملايين الصيادين والمزارعين، وارتفاع تكلفة معالجة مياه الشرب إلى حدود قد تستحيل معها في بعض المناطق.
2. تغير مجاري الأنهار والتدخل في مسار الطبيعة:
للأنهار قدرتها الخاصة على نحت مجاريها وتجديدها، غير أن التدخل البشري غير هذا المسار بشكل جذري، ويرجع ذلك إلي عدد من العوامل أهمها:
- السدود والخزانات حيث أنه ورغم أن السدود توفر الطاقة الكهربائية والمياه المخزنة للري، فإن قطع مجاري الأنهار يقطع أيضاً هجرات الأسماك، ويحبس الرواسب الغنية بالمعادن التي كانت تغذي دلتا النهر وسهوله الفيضية، ويغير درجة حرارة المياه وكمية الأكسجين فيها. وقد حولت مشروعات ضخمة أنهاراً كاملة إلى سلسلة من البحيرات الصناعية، فتبدلت البيئة كلياً في مناطق بأكملها.
- تجفيف المسطحات المائية وتعديل المجاري حيث تمتلئ الخرائط الحديثة بأنهار دفنت تحت الإسفلت، أو إنحرفت لتوسيع المدن، أو جففت لتحويل أراضيها إلى إستثمارات عقارية. وقد ثبت علمياً أن حرمان نهر من مجاره يؤدي إلى أنهيار النظام البيئي المحيط به تتصحر الضفاف، ويتراجع المخزون الجوفي، ويزداد خطر الفيضانات، وتختفي الأنواع المرتبطة بالنهر.
- النتائج الاجتماعية، حيث أنه لا يقتصر الضرر على الطبيعة، بل يمتد إلى السكان الذين يعتمدون على الأنهار في معيشتهم؛ فالصياد يخسر مهنته، والمزارع يجد تربته أقل خصوبة، والمدينة التي كانت النهر يحميها من الجفاف تتعرض لموجات حر وجفاف متكررة.

3. الإفراط في إستهلاك المياه:
يزداد الطلب العالمي على المياه العذبة بإستمرار مع النمو السكاني (تجاوز العالم ثمانية مليارات نسمة)، والتوسع الزراعي، والصناعات الثقيلة، وتمدن المدن الكبري. ويأتي معظم هذا الطلب من الأنهار مباشرة عبر محطات السحب وقنوات الري. ومن شأن سحب المياه بوتيرة تفوق قدرة النهر على التجديد أن يؤدي إلى ضحلة الأنهار أي تناقص منسوب مياهها حتى تتقطع أو تتبخر. تترتب على ذلك سلسلة من الكوارث البيئي مثل إرتفاع تركيز الملوثات في المياه المتبقية، ونفوق الأسماك، وإرتفاع ملوحة مياه مصب النهر والدلتا التي تعتمد عليها الزراعة، وغزو مياه البحر نحو الداخل مدمرة حقولاً وآباراً )ظاهرة المد الملحي التي أضرت بأدلتا أنهار عظيمة كالنيل).

كما يقلل إنخفاض منسوب النهر من قدرته على إستدامة الحياة فيه؛ إذ يعتمد النظام البيئي النهري كله من الطحالب الدقيقة إلى الأسماك الكبرى على تدفق كاف ومتجدد، وحين يغيب هذا التدفق ينهار النظام من قاعدته، وقد يستحيل إستعادته لعقود.

الحقيقة العلمية هي أن التلوث وتغير المجاري والإفراط في الإستهلاك ليست مشكلات منفصلة، بل ثلاثة أوجه لأزمة واحدة؛ فنهر مستنزف لا يملك القدرة على تطهير ذاته، ونهر مقطوع المجارى لا يصلح التوازن البيئي، ونهر ملوث يفقد قيمته مهما بلغت كميته.

#ثالثاً: الفعاليات والحملات:
تحتفي المناسبة العالمية بالأنهار من خلال فعاليات متنوعة حول العالم، تهدف إلى نقل الوعي إلى واقع ملموس، ومن أبرزها:
1- تنظيف الأنهار وضفافها حيث يقوم المتطوعون من مختلف الأعمار بإزالة القمامة والملوثات من جسم النهر وضفافه، وتقام عادة هذه الفاعليات بمشاركة بلديات ومنظمات شبابية ومدارس، وترسخ في الأجيال الصغيرة قيمة أن النهر ملك للجميع ومسؤوليته على الجميع.
2- تعقد البرامج التثقيفية من محاضرات وندوات وحملات إعلامية في المدارس والجامعات والمراكز الثقافية، لنقل المعرفة العلمية الدقيقة حول دورة المياه، وأهمية الأحواض النهرية، وآثار التلوث، وسبل الإستهلاك الرشيد، وكيفية قياس جودة المياه بوسائل بسيطة، بما يرفع مستوى الوعي المجتمعي ويصنع جيلاً من (حراس الأنهار).
3- تقام مهرجانات ومعارض فنية وحفلات موسيقية وعروض أفلام وثائقية تحتفي بجمال الأنهار ودورها في حياة الشعوب وذاكرتها الجماعية؛ لأن المحافظة على النهر لا تقوم على العلم وحده، بل على الحب والإنتماء فمن لا يشعر بجمال نهره لن يبذل جهداً في حمايته.
4- حملات إستعادة الأنظمة البيئية المائية والتي تشمل زراعة النباتات والأشجار على طول الضفاف لحمايتها من التعرية وتوفير مأوى للطيور والكائنات، وإستعادة المسطحات المائية المتضررة، وإعادة تأهيل المجاري الطبيعية التي شُوّهت، وإطلاق أسماك ضالت في البراري، ومراقبة جودة المياه بشكل دوري.

وقد أثبتت التجارب العالمية أن هذه الفعاليات حين تتحول إلى عادة سنوية ثم إلى سياسة مستمرة، تصنع فرقاً حقيقياً.

#رابعاً: دور البحث العلمي في مستقبل الأنهار:
يلعب البحث العلمي دوراً محورياً كخط الدفاع الأول لحماية الأنهار وضمان إستدامتها، حيث يوفر أدوات متقدمة للرصد البيئي الدقيق وتتبع التلوث، وإبتكار تقنيات حديثة لمعالجة المياه وتطوير الحلول القائمة على الطبيعة، فضلاً عن دراسة التنوع البيولوجي وإستعادة الأنظمة البيئية المتدهورة. وفي هذا السياق، يبرز الدور الريادي للمعهد القومي لعلوم البحار والمصايد (NIOF) في مصر كنموذج للمؤسسات البحثية الوطنية؛ حيث يساهم بفاعلية في حماية نهر النيل وفرعيه من خلال إجراء الحملات الدورية لرصد التلوث وتقييم جودة المياه، وتنمية المخزون السمكي والإستزراع المائي المستدام، إلى جانب تقديم الحلول العلمية لمكافحة الأنواع الغازية كورد النيل وتقديم التوصيات الفنية لصناع القرار، مما يجسد التطبيق العملي للوعي الذي ينادي به اليوم العالمي للأنهار لحفظ شرايين الحياة على الأرض.

#خاتمة:
ليس اليوم العالمي للأنهار مجرد مناسبة نحتفي فيها بالماء الجاري، بل رسالة إستغاثة وأمل معاً. إستغاثة من أنهارٍ تختنق بالتلوث، وتقطع أشلاءاً بالسدود، وتستنزف حتى آخر قطرة؛ وأمل في أن وعي البشرية قد نما بما يكفي لترى في النهر كائناً حياً يستحق الحماية كما نحمي أنفسنا.

إن الأنهار ليست مجرد مياه تجري في مجاريها، بل أنظمة حياة متكاملة تصل الجبال بالبحار، والماضي بالحاضر، والطبيعة بالإنسان. وكل قطرة مياه نحافظ عليها اليوم بالحد من التلوث، والإنصاف في إستهلاك المياه، والإبقاء على مجاري الأنهار حية، هي إستثمار وشهادة حياة يوقعها أبناء اليوم لأبناء الغد.

الأنهار شريان الحياة فلنحمها معاً ...

إعداد: أ.د.م./ سليم محمود مدبولى السيد
معمل الكيمياء – شعبة المياه العذبة والبحيرات



25/09/2026

أسماك المانتا
"رحلة علمية في حياة عمالقة المحيط"
--------------------------------------------------------------------------------------
#مقدمة:
هناك كائنات بحرية يلفت حجمها الأنظار من اللحظة الأولى التي تظهر فيها تحت الماء، لكن المانتا تمتلك شيئاً أكثر من مجرد الحجم؛ فهي تجمع بين الضخامة، والقدرة على الحركة لمسافات واسعة، والتخصص الفسيولوجي في التغذية بالترشيح، والتعقيد السلوكي، ودورة حياة بطيئة تجعلها شديدة الحساسية لأي زيادة في معدلات النفوق. ولأن المانتا وأسماك شيطان البحر لا تتحرك داخل حدود دولة واحدة، ولا يمكن فهم دورة حياتها أو حمايتها بالإعتماد على جهة واحدة فقط. فالمعلومة قد تبدأ من صورة إلتقطها غواص، وتستكمل ببيانات باحث، ثم تتوافق مع سجل صيد أو مشاهدة من صياد، وتظهر أهميتها عندما تربط ببيانات التتبع عبر الأقمار الصناعية. وهنا تتحول البيانات المتفرقة إلى معرفة قابلة للإستخدام في الإدارة والحفاظ على الأنواع.

#أولاً: من هي المانتا؟ وما علاقتها بأسماك شيطان البحر؟
المانتا وأسماك شيطان البحر تنتمي إلى مجموعة من الأسماك الغضروفية المعروفة باسم Mobulids، وهي ضمن أسماك الراي والشفانين في رتبة Myliobatiformes. ويضم جنس Mobulaمجموعة الأنواع المعروفة حالياً من المانتا وشيطان البحر، وقد أدى التطور في الدراسات المورفولوجية والجينية خلال السنوات الأخيرة إلى تغيير فهم العلماء للعلاقات التصنيفية داخل هذه المجموعة. ومن أبرز الأمثلة أن المانتا التي كان يتعامل معها سابقاً ضمن تصنيف منفصل أصبحت تدرج ضمن جنس Mobula.

#ومن أشهر الأنواع:
المانتا المحيطية – Oceanic Manta Ray (Mobula birostris)مانتا الشعاب المرجانية – Reef Manta Ray (Mobula alfredi)، إضافة إلى أنواع شيطان البحر المختلفة، ومن بينها Spinetail Devil Ray (Mobula mobular) الذي يمثل أهمية خاصة للبحر المتوسط، بإعتباره النوع الوحيد من الـ Mobulids الذي يوجد بصورة منتظمة في المتوسط.

#ثانياً: لماذا توصف المانتا بأنها من عمالقة المحيط؟
لأن حجمها بالفعل إستثنائي بين الأسماك الغضروفية. فالمانتا المحيطية هي أكبر أنواع الراي المعروفة، وقد يصل عرض القرص في الأفراد الكبيرة جداً إلى نحو6.8–7 أمتار، مع تسجيل أوزان قد تصل إلى قرابة 2 طن. لكن المفارقة المدهشة ليست في الحجم وحده. فالمانتا العملاقة لا تعتمد على إفتراس الأسماك الكبيرة كما قد يتخيل البعض، وإنما تعتمد أساساً على التغذية بالترشيح(Filter Feeding) ، وتستهلك العوالق الحيوانية وغيرها من الكائنات الصغيرة الموجودة في الماء. وهنا تظهر واحدة من أكثر التكيفات إثارة للاهتمام في بيولوجيا هذا الحيوان:
حيوان قد يبلغ عرضه عدة أمتار، لكنه يعتمد في غذائه على كائنات دقيقة أو صغيرة جدًا مقارنة بحجمه.

#ثالثاً: البناء الجسمي للمانتا ... جسم مصمم للحياة في عمود الماء:
جسم المانتا مميز للغاية؛ إذ تتحول الزعانف الصدرية العريضة إلى ما يشبه الأجنحة، وتساعدها على السباحة بكفاءة، بينما توجد أمام الفم زوائد تعرف باسم الزعانف الرأسية أو Cephalic Fins.ولا تقتصر وظيفة هذه الزوائد على الشكل.
فهي تساعد في توجيه المياه والغذاء نحو الفم أثناء التغذية، ولذلك فهي جزء مهم من نظام التغذية المتخصص لدى المانتا وأسماك شيطان البحر. أما الخياشيم فتضم صفائح خيشومية متخصصة (Gill Plates) تساعد في فصل الغذاء عن الماء. وهكذا يعمل الجهاز التغذوي بكفاءة عالية:
الماء يدخل من الفم → المواد الغذائية تُحتجز بواسطة التراكيب الخيشومية المتخصصة → يمر الماء إلى الخارج عبر الخياشيم. وهذا النظام هو أحد الأسباب التي جعلت الـ Mobulids قادرة على استغلال موارد غذائية قد تكون منتشرة بكثافة في مناطق معينة من المحيط.

#رابعاً: المانتا لا تستطيع ببساطة أن تتوقف عن الحركة:
من النقاط الفسيولوجية المهمة في بيولوجيا هذه المجموعة أن الـMobulids مرتبطة بشدة بحركة المياه وتدفقها عبر الخياشيم. وتشير المعلومات البيولوجية المنشورة عن المجموعة إلى أنها تحتاج إلى استمرار حركة المياه عبر الخياشيم للمحافظة على التنفس، ولهذا فإن حياتها مرتبطة بصورة وثيقة بالديناميكا الهيدرولوجية للبيئة البحرية.

وهذا الإرتباط بين الحركة والتنفس والتغذية يساعد في تفسير كثير من جوانب سلوكها. فحركة التيارات البحرية لا تعني للمانتا مجرد إنتقال للمياه؛ بل قد تعني أيضاً:
• وصول الغذاء.
• زيادة تركيز العوالق.
• تحديد مناطق التغذية.
• التأثير في أنماط التجمع.
• التأثير في الحركة الموسمية.
وبمعنى آخر، فإن هيدروديناميكية البحر جزء من بيولوجيا المانتا نفسها.

#خامساً: أين تعيش المانتا؟
تعيش المانتا في نطاقات واسعة من المحيطات الإستوائية وشبه الإستوائية، وتختلف إستخدامات الموائل من نوع إلى آخر. فالمانتا المحيطية ترتبط بدرجة أكبر بالمياه المفتوحة والبيئات البحرية الواسعة، في حين ترتبط مانتا الشعاب المرجانية بدرجة أكبر بالموائل القريبة من الشعاب والمناطق الساحلية الملائمة.

والأمر المهم هنا هو أن كلمة "مهاجرة" لا تعني بالضرورة أن جميع الأفراد أو جميع الأنواع تسلك النمط نفسه من الحركة.

فالدراسات الحديثة أظهرت أن الحركة ليست صفة موحدة بين جميع أنواع أو تجمعات المانتا؛ فقد يكون بعض الأفراد شديدي الحركة، بينما تظهر تجمعات أخرى درجة مرتفعة من الإرتباط بالمناطق المحلية أو الإقليمية. وقد وجدت دراسات بإستخدام التتبع بالأقمار الصناعية والتحليل الوراثي والنظائر المستقرة أن بعض تجمعات المانتا المحيطية قد تكون أكثر إرتباطاً بنطاقات جغرافية محددة مما كان يعتقد سابقاً. ولهذا فإن فهم الهجرة والحركة يحتاج إلى دراسة كل تجمع وسياق بيئي بصورة مستقلة.

#سادساً: ماذا يدفع المانتا إلى الحركة؟
الغذاء يمثل أحد أهم العوامل. فالمانتا تعتمد على العوالق الحيوانية، ولذلك فإنها ترتبط بالمناطق التي توفر ظروفاً مناسبة لتجمع الغذاء. وقد تكون هذه المناطق مرتبطة بـ:
التيارات البحرية – الجبهات المائية – مناطق الإنتاجية الحيوية المرتفعة – التجمعات الموسمية للعوالق – مناطق الرفع المائي وغيرها من الخصائص الأوقيانوغرافية.

ومن هنا فإن حركة المانتا ليست عشوائية، فهي تتحرك في بيئة متغيرة، وتستجيب بصورة مستمرة إلى توزيع الموارد والظروف البيئية. وقد تم تسجيل إستخدام المانتا لمناطق تجمع غذائي وتنظيفي، كما تختلف أهمية هذه المواقع خلال الفصول.

#سابعاً: الغوص إلى الأعماق ... المانتا لا تعيش فقط قرب السطح:
رغم أن مشاهدة المانتا غالباً ما تتم بالقرب من السطح وفي مناطق الغوص والتنظيف، فإن المانتا المحيطية قادرة على إستخدام طبقات أعمق من الماء. وتشير البيانات المنشورة عن Mobula birostris إلى أن أفراداً منها قد تغوص إلى مئات الأمتار بحثاً عن الغذاء، بما في ذلك الوصول إلى طبقات مرتبطة بتجمعات الفرائس العوالقية. وهذا السلوك مهم جداً من الناحية البيئية؛ لأنه يعني أن دراسة المانتا لا يمكن أن تعتمد فقط على ما نراه من السطح. فالحيوان الذي يبدو لنا أنه يعيش في مياه سطحية قد يكون جزءاً من دورة إستخدام موائل تمتد رأسياً وأفقياً داخل عمود الماء.

#ثامناً: التنظيف ... سلوك له أهمية بيولوجية:
من السلوكيات المعروفة في المانتا إستخدام ما يسمى Cleaning Stations، وهي مناطق تلعب فيها الكائنات المنظفة دوراً في إزالة الطفيليات والمواد غير المرغوبة من سطح الجسم. وتكتسب هذه المواقع أهمية سلوكية وبيئية لأنها قد تصبح أماكن يعود إليها الأفراد بصورة متكررة.

وقد أظهرت الدراسات السلوكية أن بعض الأحداث التناسلية لدى المانتا ترتبط بصورة كبيرة بمواقع التنظيف؛ ففي دراسة طويلة المدى في جزر المالديف سجلت نسبة كبيرة من سلوكيات التودد في مواقع التنظيف.

وهذا يكشف أن موقعاً بحرياً واحداً قد يؤدي أكثر من وظيفة بيولوجية في حياة النوع: التنظيف، والتجمع، والتفاعل الإجتماعي، وأحياناً التودد والتكاثر.

#تاسعاً: هل المانتا تعيش منفردة أم في مجموعات؟
يمكن للمانتا أن تشاهد منفردة، كما يمكن أن تتجمع في مجموعات كبيرة، خاصة عندما تتوفر مصادر غذائية مناسبة. ويعتقد أن تكوين التجمعات يرتبط بصورة كبيرة بتوافر الغذاء والظروف البيئية، لكن السلوك الإجتماعي في المانتا أكثر تعقيداً من مجرد "تجمع للتغذية".

كما أن بعض أنواع شيطان البحر معروفة بتجمعات ضخمة للغاية، وتسجل فيها سلوكيات جماعية مثيرة للإهتمام، منها القفز خارج الماء لدى بعض الأنواع، وهي سلوكيات لم تحسم وظائفها بصورة قاطعة في جميع الحالات.

#عاشراً: التمييز بين الجنسين ... إناث المانتا أكبر من الذكور:
تظهر في الـ Mobulids ظاهرة واضحة من التباين الحجمي بين الجنسين (Sexual Dimorphism)، حيث تصل الإناث عادة إلى أحجام أكبر من الذكور. ويرتبط ذلك بصورة منطقية بالإستراتيجية التكاثرية؛ فالجسم الأكبر يمنح الأنثى قدرة أكبر على حمل جنين كبير نسبياً.

وفي الذكور يمكن للباحثين الإستفادة من تطور الـClaspers كدليل على النضج الجنسي، وهي أعضاء مرتبطة بالتكاثر في ذكور أسماك القرش والراي. وفي الإناث قد تستخدم مؤشرات مثل الحمل وآثار التزاوج في الدراسات الحقلية لتقدير النضج والتكاثر.

#الحادي عشر: التكاثر ... هنا تكمن إحدى نقاط ضعف المانتا:
من أهم الحقائق البيولوجية التي تفسر هشاشة هذه المجموعة أن المانتا وأسماك شيطان البحر تتبع إستراتيجية حياتية بطيئة. فهي تنضج جنسياً متأخراً نسبياً، وتنجب عدداً قليلاً من الصغار، وتحتاج إلى فترة حمل طويلة نسبياً، وقد تفصل عدة سنوات بين الولادات. وتشير الأدبيات الحديثة إلى أن الـ Mobulids قد تلد صغيراً واحداً عادة كل عامين إلى خمسة أعوام تقريباً بعد حمل يمتد نحو9–12 شهراً، مع إختلافات بين الأنواع والمجموعات. وهذا يعني أن فقد عدد كبير من الأفراد البالغة خلال فترة قصيرة لا يمكن تعويضه سريعاً. ولهذا السبب تحديداً تصبح المانتا شديدة الحساسية للوفيات الناتجة عن:
الصيد المباشر – الصيد العرضي – التشابك في معدات الصيد – الضغوط البشرية على موائلها.

#الثاني عشر: كيف يحدث التزاوج؟
عملية التودد والتزاوج في المانتا أكثر تعقيداً مما قد يبدو من المشاهدة العابرة. فقد وثقت الدراسات سلاسل سلوكية تشمل مراحل متعددة من المطاردة والتودد وتحديد الوضع المناسب للتزاوج ثم الإنفصال بعد إتمام العملية. وقد أجرت دراسة إمتدت 14 عاماً في جزر المالديف أكثر من 11 ألف مسح ميداني، وتمكنت من توثيق مئات أحداث التودد والتزاوج لدى مانتا الشعاب والمانتا المحيطية، مع توثيق مراحل متعددة من السلوك التزاوجي. وهذا النوع من السجلات طويل المدى مهم جداً؛ لأن كثيراً من الأحداث الإنجابية للأنواع البحرية الكبيرة يصعب رصدها في الطبيعة.

#الثالث عشر: تاريخياً ... كيف ظهرت المانتا في سجل الحياة؟
ليست المانتا كائناً حديث الظهور، تشير الأدلة الأحفورية إلى أن أسماك المانتا وشيطان البحر ظهرت في السجل الأحفوري منذ نحو28 مليون سنة، ويعتقد أن هذه المجموعة تطورت من أسماك راي كانت أكثر إرتباطًا بقاع البحر ثم تكيفت تدريجياً مع الحياة في عمود الماء. وهذا الإنتقال التطوري مهم جداً. فشكل الجسم الحالي للمانتا ليس مجرد شكل مميز، وإنما هو نتيجة تاريخ تطوري طويل إرتبط بالإنتقال إلى بيئة مائية ثلاثية الأبعاد وإستخدام عمود الماء للتغذية والحركة.

#الرابع عشر: المانتا المحيطية في البحر الأحمر المصري:
وهنا نصل إلى واحدة من أهم النقاط بالنسبة لنا في مصر، فالبحر الأحمر يمثل بيئة ذات أهمية كبيرة لدراسة المانتا، وقد كشفت دراسة منشورة عام 2022 عن أول وصف واسع نسبياً لحركة المانتا المحيطية وديموغرافيتها في شمال البحر الأحمر.

إعتمدت الدراسة على التعرف الفردي بالصورPhoto-identification ، وجمعت صوراً من باحثين وقواعد بيانات و وسائط إجتماعية ومشاهدات ميدانية خلال الفترة 2004–2021.

وقد تم التعرف على 267 فرداً من المانتا المحيطية من أصل 395 مشاهدة، حيث شملت البيانات مصر وإسرائيل والأردن والسعودية والسودان. والأكثر أهمية أن الدراسة سجلت وجود أفراد صغيرة السن بصورة منتظمة في ، وهو ما يدعم إعتبار المنطقة موقعاً محتملاً للحضانة (Potential Nursery Area) لهذا النوع.

وهذه النتيجة ذات أهمية كبيرة من منظور إدارة الأنواع؛ لأن مناطق الحضانة ليست مجرد مواقع لوجود أفراد صغيرة، وإنما قد تكون مواقع أساسية في دورة الحياة.

#الخامس عشر: المانتا لا تحترم الحدود السياسية:
من أهم ما كشفته دراسة شمال البحر الأحمر أن بعض الأفراد تتحرك عبر نطاقات جغرافية واسعة، مع تسجيل حركات تصل إلى نحو700 كيلومتر.
وهنا تظهر مشكلة إدارية واضحة، حيث أنه إذا تحرك الحيوان بين عدة دول، فإن حماية منطقة واحدة فقط قد لا تكون كافية لحمايته طوال دورة حياته. والأمر نفسه يظهر بصورة أكثر وضوحاً عند دراسة حركة أنواع الـMobulids في البحر المتوسط.

#السادس عشر: ماذا يحدث لشيطان البحر الشوكي في البحر المتوسط؟
النوع المهم هنا هو: (Mobula mobular) (Spinetail Devil Ray)، وهو النوع الوحيد من الـMobulids الذي يوجد بصورة منتظمة في البحر المتوسط. وفي دراسة منشورة عام 2025 في مجلة Scientific Reports، إستخدم الباحثون التتبع بالأقمار الصناعية لعدد 9 أفراد خلال الفترة 2016–2021 لدراسة الحركة الموسمية عبر البحر المتوسط. وقد كانت النتائج لافتة، فخلال الجزء الدافئ من العام تنتشر الأفراد في مناطق أوسع وأكثر إنتاجية، بينما أظهرت غالبية الأفراد إتجاهاً نحو شرق المتوسط والليفانت خلال الجزء الثاني من العام. ووصلت حركة أحد الأفراد المتتبعة من ً حتى الساحل الإسباني ثم عاد شرقاً في مسار طويل عبر البحر المتوسط.

#السابع عشر: لماذا تتركز الحركة في مناطق معينة؟
تبدو حركةMobula mobular في المتوسط مرتبطة بدرجة كبيرة بالظروف البيئية الموسمية. وقد أظهرت الدراسة الحديثة أن الأفراد تستفيد من إختلافات الإنتاجية ودرجات حرارة المياه بين أجزاء البحر المتوسط خلال العام، مع تركيز في مياه شرق المتوسط خلال الفترات الباردة نسبياً. كما أظهرت البيانات أن النوع يستخدم مجموعة متنوعة من الموائل، من المياه المحيطية البعيدة عن الساحل إلى مناطق الرف القاري. ومن هنا يتضح أن الهجرة ليست هدفًا في حد ذاتها، وإنما وسيلة للوصول إلى الظروف البيئية الأكثر ملاءمة.

#الثامن عشر: الصيد العرضي ... أحد أخطر التهديدات:
قد لا يكون الصياد مستهدفاً للمانتا أو شيطان البحر أصلاً، ومع ذلك يمكن أن تقع هذه الحيوانات في معدات الصيد. وهذا ما يعرف بـ:
Bycatch – الصيد العرضي، وقد سجل الصيد العرضي للـMobulids في العديد من أنماط المصايد والمعدات، ومنها:
• الشباك الخيشومية، الشباك المحيطة، الخيوط الطويلة، الشباك القاعية، شباك الجر وغيرها.
• وتكمن المشكلة في أن الحيوان الكبير الذي يتحرك بإستمرار قد يجد صعوبة في التخلص من معدات الصيد عندما يتشابك بها. وفي بعض الحالات يمكن أن تكون النتيجة الإصابة أو النفوق.

ولهذا فإن حماية المانتا لا تعني فقط، "لا تصطد المانتا"، بل تعني أيضاً "كيف نمنع وصولها إلى معدات الصيد من الأساس؟". وهذه مسألة تتعلق بالإدارة والهندسة السلوكية للمصايد وتطوير المعدات وتحديد المناطق الحساسة.

#التاسع عشر: الصفائح الخيشومية ... عندما يصبح التكيف البيولوجي سبباً للتهديد:
أدى الطلب التجاري على الصفائح الخيشومية إلى زيادة الضغط على بعض أنواع المانتا وشيطان البحر، ليس فقط من خلال الصيد المستهدف، وإنما أيضاً من خلال إرتفاع قيمة الأفراد التي تقع عرضياً في المصايد.
وهنا تظهر مفارقة ، وهي أن: "التركيب الذي تطور لمساعدة الحيوان على الحصول على الغذاء أصبح جزءاً من السبب الذي جعله هدفًاً للإنسان".

#العشرون: ماذا حدث على المستوى الدولي؟
سبق أن أدرجت المانتا ضمن الحماية الدولية في إطار CITES، وقد كان إدراجها ضمن الملحق الثاني خطوة مهمة لتنظيم التجارة الدولية.

وفي عام 2025 تم تقديم إقتراح في مؤتمر الأطراف لنقل مجموعة Mobulidae إلى الملحق الأول إستناداً إلى الإنخفاضات الشديدة والضغط المرتبط بالإستغلال والتجارة. وتظهر وثائق CITES الرسمية أن إقتراح النقل شمل المانتا وشيطان البحر ضمن المجموعة المعنية.

وهنا يجب التأكيد على نقطة علمية هامة، وهي أن: "الحماية القانونية هي خطوة أساسية، لكنها ليست بديلًا عن الرصد العلمي والإدارة الفعلية للمصايد".

فالقانون يحتاج إلى: تنفيذ – رقابة – تبادل بيانات – تعاون إقليمي – متابعة للمصايد – دعم للبحث العلمي.

#الحادي والعشرون: ... الخطر قد يبدأ من الغذاء:
عندما نقول إن تغير المناخ يؤثر في المانتا، فلا ينبغي إختزال المسألة في إرتفاع درجة حرارة الماء فقط. فالمانتا مرتبطة بشدة بالسلسلة الغذائية البحرية، وخاصة العوالق الحيوانية.

وأي تغيرات في، درجة الحرارة أو التيارات أو توزيع العوالق أو البنية الموسمية للنظام البحري، قد تؤثر بصورة غير مباشرة في أماكن وجود المانتا ومدى توافر الغذاء. وقد أشارت المراجع الخاصة بالمانتا المحيطية إلى أن تغير المناخ قد يؤثر في وفرة العوالق الحيوانية التي تعتمد عليها.

ولهذا فحماية المانتا لا تعني حماية الحيوان فقط، وإنما حماية النظام البيئي الذي يحمل غذاءه.

#الثاني والعشرون: لكل مانتا تقريباً "بصمتها" الخاصة:
من أكثر الأدوات التي أحدثت تغيير في دراسة المانتا هي الـ "Photo-identification"، وهي تقنية تقوم على إستخدام أنماط التصبغ والبقع المميزة على الجانب البطني من الجسم للتعرف على الأفراد.

وبهذه الطريقة يستطيع الباحث أن يجيب عن أسئلة كان من الصعب الإجابة عنها سابقاً، علي سبيل المثال:
- هل هذا الفرد شوهد من قبل؟
- هل عاد إلى الموقع نفسه؟
- عدد مرات العودة إلي نفس الموقع؟
- هل ينتقل إلى منطقة أخرى؟
- كم عدد الأفراد الذين يستخدمون الموقع؟
- هل توجد فروق بين الذكور والإناث؟
- كيف يتغير تركيب التجمع بمرور الزمن؟

وقد أثبتت هذه الطريقة قيمة خاصة في البحر الأحمر، إلى الحد الذي ساهمت فيه صور من وسائل التواصل الإجتماعي في التعرف على نسبة مهمة من الأفراد المستخدمة في الدراسة العلمية. وهذه واحدة من أجمل الأمثلة على تحول الصورة العادية إلى معلومة علمية عندما يتم جمعها وتحليلها بطريقة منهجية.

#الثالث والعشرون: التكنولوجيا تعيد تعريف دراسة المانتا:
دراسة المانتا الحديثة لم تعد تعتمد فقط على المشاهدة المباشرة، فاليوم يستطيع الباحث إستخدام:
- التعرف الفردي بالصور
- التتبع بالأقمار الصناعية
- العلامات الإلكترونية
- الطائرات المسيرة
- الرصد الصوتي
- تحليل الصور والفيديو
- التحليل الإحصائي والبيئي
- رؤية الحاسوب والذكاء الإصطناعي

وهذه الأدوات تسمح بتوسيع نطاق المراقبة من موقع صغير إلى مسارات حركية تمتد لمئات أو آلاف الكيلومترات. كما تتيح الربط بين البيانات البيولوجية والبيانات الأوقيانوغرافية ومعلومات المصايد. وهنا يظهر مفهوم هام جداً في العلوم البحرية، وهو أنه "لا يكفي أن نعرف أين توجد المانتا؛ يجب أن نعرف لماذا توجد هناك، ومتى تأتي، وإلى أين تذهب بعد ذلك".

#الرابع والعشرون: المانتا ككائن مؤثر في فهم البيئة البحرية:
المانتا ليست مجرد نوع نحاول حمايته، فوجودها وحركتها يرتبطان بتوزيع الغذاء والظروف البيئية، وعندما ندرس المانتا في منطقة معينة، فنحن ندرس بصورة غير مباشرة الإنتاجية البحرية، وتوزيع العوالق، والتغيرات الموسمية، وطبيعة الموائل، والحركة داخل النظام البيئي. ولهذا يمكن النظر إلى المانتا أيضاً بإعتبارها نوعاً راية (Flagship Species)؛ أي أن وجودها يمكن أن يكون وسيلة لجذب الإهتمام العام إلى قضايا أوسع تخص حماية البحار والتنوع البيولوجي.

#الخامس والعشرون: لماذا يمثل "التعاون" محور هام في دراسة وحماية المانتا؟
لأن الباحث وحده لا يمتلك كل المعلومات، فالباحث قد يمتلك الصورة، والصياد قد يمتلك مشاهدة متكررة للموقع، والجهة الحكومية قد تمتلك معلومات المصايد، والجامعة قد تمتلك التحليل الإحصائي، ومؤسسة البيئة قد تمتلك بيانات الموائل، والغواص قد يمتلك صوراً لأفراد لم تدخل من قبل قاعدة بيانات علمية. وعندما تكون هذه البيانات منفصلة، تظل الصورة ناقصة، لكن عندما تتصل ببعضها وتتكامل، نستطيع بناء تصور أفضل عن التوزيع، والحركة، ومناطق التغذية، ومناطق الحضانة، والتكاثر، والتهديدات، والتغيرات الموسمية، والارتباط بين التجمعات.

#السادس والعشرون: ما الدور الذي يمكن أن يلعبه الصيادون والمجتمعات الساحلية؟
الدور المحلي لا يجب أن يكون هامشياً، فالصيادون يعيشون البحر بصورة يومية، وقد يملكون معرفة ميدانية لا يمكن للباحث الحصول عليها من خلال الزيارات القصيرة وحدها. ويمكن لهذه المعرفة، عندما تجمع وتوثق وتراجع علمياً، أن تساعد في:
- تحديد مناطق المشاهدة المتكررة،
- تحديد مواسم الظهور،
- الإبلاغ عن التفاعلات مع معدات الصيد،
- المساهمة في برامج الرصد،
- والتعرف على المناطق الحساسة.

وتؤكد دراسة شمال البحر الأحمر أهمية البيانات التي يقدمها الجمهور في دعم الدراسات العلمية، وهنا يتحول المواطن من مشاهد إلى شريك في بناء المعرفة العلمية.

#السابع والعشرون: كيف نحمي المانتا عملياً؟
الحماية الفعالة تحتاج إلى حزمة متكاملة من الإجراءات، وليس إجراءاً واحداً، علي سبيل المثال:
أولاً: إستمرار الرصد العلمي طويل المدى للتجمعات.
ثانياً: تطوير وسائل الحد من الصيد العرضي.
ثالثاً: حماية المواقع المهمة للتغذية والتجمع والحضانة.
رابعاً: تطوير قواعد بيانات مشتركة بين الباحثين والمؤسسات.
خامساً: إستخدام تقنيات التتبع والتعرف الفردي.
سادساً: تطبيق الإتفاقيات الدولية الخاصة بالحماية وتنظيم التجارة.
سابعاً: إشراك الصيادين والمجتمعات المحلية في برامج الرصد والحفاظ.
ثامناً: ربط حماية المانتا بالحفاظ على سلامة النظام البيئي البحري ككل.

#الثامن والعشرون: من حماية المانتا إلى حماية البحر نفسه:
في النهاية، حماية المانتا ليست معركة من أجل نوع واحد فقط، فعندما نحمي مناطق تغذيتها، فإننا نحمي موائل بحرية منتجة، وعندما نقلل الصيد العرضي، فإننا نقلل أيضاً من الضغط على أنواع أخرى من الأسماك الغضروفية، وعندما نبني قواعد بيانات للحركة والهجرة، فإننا نطور قدرتنا على إدارة المناطق البحرية، وعندما نتعاون بين الباحثين والصيادين والجهات الإدارية والدول، فإننا نقترب من مفهوم الإدارة القائمة على النظام البيئي (Ecosystem-based Management).

#الخاتمة:
إن المانتا تخبرنا أن الحجم ليس دليلاً على القدرة على البقاء، فهذا العملاق يحتاج إلى حماية لأنه ينمو ببطء، ويتكاثر ببطء، ويتأثر بسرعة عندما ترتفع معدلات النفوق. وفي البحر الأحمر المصري لدينا مثال واضح على أهمية البحث العلمي؛ فقد كشفت دراسات حديثة عن أفراد تم التعرف عليها عبر سنوات متعددة، وحركات عبر دول مختلفة، ووجود منتظم لصغار المانتا في منطقة شرم الشيخ التي قد تمثل منطقة حضانة مهمة. وفي البحر المتوسط تكشف تقنيات التتبع بالأقمار الصناعية أن (Mobula mobular) قادر على تنفيذ حركات موسمية واسعة عبر أجزاء كبيرة من الحوض المتوسطي.

ولأن حماية المانتا تبدأ بالمعرفة، وتتطور بالبحث والرصد، وتنجح بالإدارة، لكنها تصبح أكثر قوة عندما تتحول المعرفة إلى تعاون، أي التعاون من أجل حماية عمالقة المحيط.

إعداد: أ.د.م./ أحمد فؤاد مكي
معمل ديناميكا التجمعات السمكية – شعبة المصايد




Address

101 Kasr ELAiny Street
Cairo
11865

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Contact The Business

Send a message to المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد:

Shortcuts

Share