28/07/2026
توكيد الذات ملتبسا بالغلظة
« اقطع كل من يتعبك، وقل لا دون أن تعتذر. »
هكذا صار الهروب يرتدي ثوب الشجاعة، ويقدم إلينا على أنه صلابة في الطبع.
غير أن الفرار لم يكلف أحدا شيئا يوما. الصعب ليس أن تغادر، بل أن تبقى.
توكيد الذات، في أصله العيادي، ليس شعارا غامضا يرفع في وجه الآخرين. لقد ولد في رحم العلاجات السلوكية، من سالتر إلى وولبي، ثم آلبرتي وإيمنز، وسمى مهارة دقيقة المعالم: أن تعبر عما في داخلك، وأن تدافع عن حقك، دون أن تدوس على حق من يجلس قبالتك.
وكل المعنى يسكن في النصف الثاني من هذه الجملة.
انزع منها احترام الآخر، فلا يبقى لك توكيد للذات، بل عدوانية تعلمت كيف تتأنق.
النسخة التي تجوب اليوم شبكات التواصل تحتفظ بالشطر الأول وترمي بالثاني في الطريق. بل إنها تنسى جوهر الأمر: توكيد الذات مهارة وصل لا مهارة فصل. إنه يحيا داخل العلاقة، لا في الخروج منها. وحين تقطع، فأنت تغادر الأرض ذاتها التي كان يمكن لهذه المهارة أن تمارس فوقها.
كان لموراي بوين اسم لهذه القطيعة التي تظن نفسها استقلالا: القطع العاطفي. وهو ليس تمايزا، بل محاكاة باهتة له. أن تتمايز يعني أن تصمد على موقفك وأنت لا تزال على تواصل. أما أن تقطع فيعني أن تبقى ملتصقا بالآخر عبر هروبك منه. تحسب نفسك حرا، وأنت في الحقيقة محكوم بما تتجنبه، تدور في فلكه من حيث تظن أنك تركته.
ومع ذلك، فالحاجة التي تختبئ خلف هذا كله حاجة مشروعة. ثمة روابط لم تمنحنا يوما مساحة لنوجد فيها، ومغادرتها فعل عافية لا تردد فيه. لا أحد مطالب بأن يبقى داخل ما يفنيه. لكن خلافا في الرأي ليس سما، وضيقا عابرا ليس اعتداء. حين نطلق لفظ « السام » على كل من يزعجنا، نحول النضج العلائقي إلى رخصة دائمة للانسحاب.
البديل أشق من القطيعة بكثير. أن تبقى موصولا وأنت ثابت على موقفك. أن تحتمل خيبة الآخر منك دون أن تنحني، ودون أن تصفق الباب خلفك. أن تجلس في حرارة الخلاف، لا أن تطفئها بالفرار.
القوة لا تقاس بعدد من تركناهم خلفنا. تقاس بمن استطعنا أن نبقى معهم على خلاف، دون أن ننكسر ولا أن نكسرهم.
وأنت، في آخر مرة قطعت فيها، أكان ذلك حدا رسمته، أم بابا هربت منه؟