23/02/2026
https://www.facebook.com/share/p/1GcCu8d4Ap/
العبدي
مول الكروش
… حين كان الميزان أخلاقا قبل أن يكون حديدا
في قيسارية الحي الحسني بالدار البيضاء، لم يكن صباح السوق يبدأ برفع أبواب الدكاكين، بل بطابور طويل صامت
نساء أرامل يحملن قفافا مهترئة، أطفال يتامى يراقبون حركة الميزان بعينين متعبتين، وشيوخ يقتصدون حتى في الكلام…
كلهم كانوا ينتظرون الرجل نفسه: العبدي، الذي لم يكن أحد
يناديه باسمه، بل بلقبه الأشهر: مول لكروش
لم يكن يبيع اللحم الفاخر، ولا القطع التي يتباهى بها الجزارون في واجهاتهم. كان يبيع الكرشة البقرية… تلك التي يعتبرها كثيرون طعام الفقراء
لكن في الحي الحسني ونواحيه، لم تكن الكرشة مجرد وجبة، بل كانت حلا يوميا لأسر كاملة
كان العبدي يصل قبل شروق الشمس بقليل
لا يفتح الدكان مباشرة، بل يبدأ بتحية الناس واحدا واحدا. يعرف أسماء الأرامل، ويحفظ عدد أبناء كل واحدة، ويعرف من الذي فقد أباه حديثا ومن الذي يعيش على معاش هزيل
لم يكن مجرد بائع… كان دفتر الحالة الاجتماعية للحي
الغريب أن الزبائن لم يكونوا يخافون من الغلاء، بل من أن تنفد الكرشة قبل أن يصل دورهم
أكثر ما كان يثير الدهشة هو ميزانه
لم يكن رقميا ولا لامعا، بل ميزانا حديديا قديما، تصدر كفتاه صوتا واضحا حين تصطدمان بوحدات القياس
ذلك الصوت كان إعلان عدالة… يشبه ختما رسميا على صفقة شرف
كنت إذا اشتريت منه ربع كيلو كرشة، ثم ذهبت لتعيد وزنها عند تاجر آخر، تجدها نصف كيلو تقريبا
السر لم يكن في الخطأ، بل في القصد
العبدي لم يكن يزن لك الكرشة فقط، بل يضيف معها الشحم والهبيلة والمسران وبقاياها التي يراها الناس عادة خارج الحساب
العبدي كان يرى العكس
"الكرشة ما كتتشبعش بوحدها… خاصها أخواتها”
كان يعرف أن وجبة بيت فقير لا تحسب بالغرامات، بل بعدد الأفراد حول المائدة
في تلك القيسارية، لم يكن وحده
كان بوشعيب الشفناج, والحسين مول المكتبة وبائعي الفواكه، والحلاق، والحداد، واللحام… كلهم كانوا يشبهونه وغيرهم كثير في نفس القسارية أو في أسواق مجاورة
لم يكونوا تجارا يبحثون عن الربح الأقصى، بل جزءا من بنية اجتماعية غير مكتوبة
كان البائع سندا للضعفاء، لا فراقشي من فراقشية هذا الزمان؛
الزبون لم يكن زبونا بل جارا
والميزان لم يكن أداة ربح… بل اختبار ضمير
حين كانت كفة الميزان تميل ويصدر صوت اصطدامها مع الكونطوار، كان ذلك الصوت يشبه جرس مدرسة قديمة: يعلن أن العدل تحقق، وأن صاحب الدكان ما زال إنسانا قبل أن يكون تاجرا
اليوم، اختفت الطوابير الصباحية
لم تختف لأن الفقراء انتهوا… بل لأن الثقة انتهت
صارت الموازين إلكترونية دقيقة، لكنها لا تعرف من أمامها
تعطيك حقك بالغرام… وتسحب منك دفء العلاقة بالكيلوغرام نفسه
لم يعد أحد يعرف الأرامل بأسمائهن، ولا يحفظ عدد الأيتام في كل بيت
صار البائع يحصي الأرباح، بينما كان العبدي يحصي البطون الجائعة
مول الكروش لم يترك ثروة، ولم يملك محلا كبيرا، ولم يظهر في صورة رسمية
لكن عشرات البيوت في الحي الحسني ونواحيه كانت تعتبره جزءا من عائلتها
النوستالجيا هنا ليست حنينا إلى الفقر، بل حنينا إلى زمن كان فيه السوق مؤسسة اجتماعية، وكان فيه الاقتصاد أخلاقا قبل أن يكون أرقاما
رحل العبدي، وبقي الميزان
لكن الصوت الذي كان يصدره الميزان حين يميل نحو الناس، هو ما نفتقده اليوم
منضدة المحل المبنية بالإسمنت.
ع.ل
10/02/2024
09/02/2024
16/01/2024
01/01/2024