02/07/2026
فلسفة الاختيار: أين تكون قيمتك؟
ليس السؤال: "أين توجد الفرص؟"
السؤال الحقيقي والوحيد الذي يستحق الطرح هو: "أين تكون قيمتي في ذروتها؟"
هذه هي الفلسفة التي غيّرت نظرتي لعالم الأعمال، وأخرجتني من دوامة البحث العشوائي عن "فرص" قد لا تناسبني، إلى البحث الاستراتيجي عن "محل" تظهر فيه قيمتي بأعلى صورها.
أولاً: الوظيفة.. رحلة البحث عن "الندرة"
إذا كان خيارك هو التميز المهني، فلا تفتش عن الوظيفة في الأسواق المكتظة التي تفيض بالأيدي العاملة، بل في المكان الذي تندر فيه المهارات.
قاعدة السوق هنا واضحة: كلما ارتفعت قيمة تخصصك، ارتفع المقابل الذي تتقاضاه.
هذا هو سر هجرة العقول إلى الاقتصادات المتقدمة؛ ليس بحثاً عن السهولة، بل بحثاً عن أسواقٍ لا تجامل. هناك، لا يُسأل المرء "من أنت؟" بقدر ما يُسأل "ماذا تجيد؟". هي ساحة منافسة مفتوحة مع أفضل الكفاءات العالمية؛ فإن أتقنت عملك، كافأتك تلك الأسواق بسخاءٍ لا يعترف بالوسطية.
ثانياً: ريادة الأعمال.. رحلة البحث عن "الفجوة"
أما إذا كان حلمك تأسيس كيان، فلا تتبع بريق الشركات العابرة، بل ابحث عن المكان الذي تسبق فيه "الاحتياجات" مستوى "الحلول".
في أسواق إفريقيا وآسيا، لا تزال الفجوات شاسعة، والفرص أكبر بكثير من الحلول المتاحة. هنا تبدأ رحلة رائد الأعمال؛ لا كباحثٍ عن وظيفة تؤمن بقدراته، بل كمؤمنٍ بقدرته على فرض واقع جديد.
ثالثاً: استراتيجية العودة.. الوظيفة سبيلاً إلى الريادة
وهنا تأتي النقطة الأكثر عملية في هذه الرحلة: لا تحتاج لأن تختار بين الوظيفة والريادة بشكل نهائي، بل يمكنك أن تجعل من الأولى جسراً إلى الثانية.
اعمل في أوروبا، أو أمريكا، أو آسيا، أو استراليا لعدة سنوات. ليس بهدف الاستقرار الدائم، بل بهدف بناء ثلاث ركائز أساسية:
الركيزة الأولى: الخبرة. ستتعلم هناك كيف تُدار المؤسسات الكبرى، كيف تُتخذ القرارات، كيف تُبنى الفرق، وكيف تُصاغ الاستراتيجيات. هذه المعرفة لا تُمنح في الكتب، بل تُكتسب في ميادين العمل الحقيقية.
الركيزة الثانية: رأس المال. الراتب الذي تتقاضاه في تلك الأسواق، مع الادخار والاستثمار الحكيم، يتحول إلى سيولة تمكنك من العودة إلى إفريقيا وأنت تملك ما يكفي لبدء مشروعك دون حاجة ملحة لتمويل خارجي في المراحل الحرجة الأولى.
الركيزة الثالثة: الشبكة. العلاقات التي تبنيها مع خبراء ومستثمرين وقادة في تلك الأسواق، ستكون بوابتك إلى شراكات مستقبلية، وإلى فهم أعمق لكيفية عمل الأسواق العالمية.
ثم تعود. تعود إلى إفريقيا، لا كباحث عن وظيفة، بل كخبير يملك الخبرة، ورأس المال، والشبكة، والرؤية. تعود لتكون أحد رواد النهضة،
هذه الاستراتيجية ليست جديدة، بل هي ذاتها التي اتبعها صناع النهضة في كل مكان. السفر للتعلم، والعودة للبناء. الاغتراب المؤقت من أجل الوطن الدائم.