10/06/2026
ليس كل غضب غضبًا… ماذا يختبئ خلف الانفعال؟
مقال شهر أكتوبر لعام ٣٠٢٦ بجريدة اخبار كاريزما الشهرية أخبار كاريزما - Charisma News
قراءة إكلينيكية في الألم والاحتياجات والتنظيم العاطفي .. كيف نفهمه، وكيف ننظمه، وماذا نفعل به.
كم مرة قلنا عن شخص: "إنه عصبي بطبعه"؟
وكم مرة وصفنا أنفسنا: "أنا سريعة الغضب"، أو "لا أعرف لماذا أنفجر بهذه الطريقة"؟
لكن في غرفة العلاج النفسي، نتعلم ألا نتوقف طويلًا عند السلوك الظاهر فقط. عندما يأتي الغضب، يكون السؤال الأهم.. ماذا حدث داخلك قبل أن تغضب؟
لأن ليس كل غضب… مجرد غضب.
أحيانًا نجد خلفه خوفًا.. وأحيانًا إحساسًا بالرفض أو الإهانة..وأحيانًا احتياجًا لم يُسمع..أو حزنًا لم يأخذ حقه في التعبير..أو سنوات من الصمت انتهت بانفجار.
ومع ذلك، من المهم علميًا ألا نقول إن الغضب دائمًا يخفي شعورًا آخر.. فالغضب نفسه انفعال إنساني طبيعي وله وظيفة مهمة.. قد يظهر عندما نشعر بالظلم أو عندما تُنتهك حدودنا أو عندما يقف شيء في طريق هدف مهم بالنسبة لنا.. المشكلة ليست في وجود الغضب، بل في كيف نفهمه، وكيف ننظمه، وماذا نفعل به.
الغضب ليس عيبًا في الشخصية
الغضب جزء من نظامنا الانفعالي. عندما يشعر الدماغ بتهديد أو استفزاز أو ظلم، تحدث استجابة تشمل الجسم والتفكير والانفعال معًا.
وتشير مراجعات علم الأعصاب إلى أن الغضب يرتبط بعمل شبكة من مناطق الدماغ، من بينها اللوزة الدماغية Amygdala ومناطق في القشرة الجبهية الأمامية المسؤولة عن التنظيم وضبط الاستجابة واتخاذ القرار. بمعنى مبسط: جزء من جهازنا العصبي يلتقط الخطر بسرعة، بينما تساعدنا أجزاء أخرى من الدماغ على التوقف والتقييم والاختيار قبل أن نتصرف.
ولهذا عندما يكون الإنسان تحت ضغط شديد، قد يصبح الانتقال من الشعور إلى رد الفعل أسرع من المعتاد.
نعرف جميعًا تلك اللحظة: “لم أفكر… فقط انفجرت" ..هذه العبارة لها معنى نفسي حقيقي.. لكنها لا تعني أننا بلا مسؤولية. بل تعني أننا نحتاج إلى تعلم مهارة اسمها التنظيم العاطفي.
وما هو التنظيم العاطفي؟
أحد أشهر النماذج العلمية في هذا المجال هو نموذج عالم النفس James Gross لتنظيم الانفعال. وبصورة بسيطة جدًا، يقول النموذج إننا نستطيع التدخل في مراحل مختلفة من تجربتنا العاطفية: يمكن أن نغيّر الموقف إن أمكن، نوجّه انتباهنا بطريقة مختلفة، نعيد تفسير ما حدث، أو نتعلم كيف ندير استجابتنا بعد أن يبدأ الانفعال.
أي أن النضج العاطفي لا يعني: " انا لا اغضب." بل ربما يعني: "أنا أعرف أنني غاضب، أفهم لماذا، وأستطيع أن أختار ماذا سأفعل بهذا الغضب." هنا فرق كبير.
أحيانًا لا نغضب من اللحظة الحالية فقط
هنا تبدأ واحدة من أعمق المناطق في العمل الإكلينيكي.
- قد يقول الزوج كلمة عابرة لزوجته، فتكون استجابتها أكبر بكثير من الموقف.
- أو يتأخر شخص في الرد على رسالة، فيشعر الطرف الآخر بغضب شديد.
- أو ينتقد المدير ملاحظة صغيرة، فيعود الموظف إلى بيته محملًا بانفعال لا يتناسب ظاهريًا مع ما حدث.
فهل المشكلة في الموقف الحالي فقط؟ ليس بالضرورة.. أحيانًا يضغط الحاضر على جرح قديم.
والعلم اليوم يعطينا أسبابًا جدية لأخذ هذه الفكرة بعين الاعتبار. فبيانات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة، المستندة إلى أكثر من 264 ألف بالغ، أظهرت أن نحو 64% من المشاركين أفادوا بمرورهم بتجربة إساءة واحدة على الأقل في طفولتهم، بينما أفاد نحو 17% تعرضوا لأربع تجارب أو أكثر. وهذه التجارب تشمل صورًا مختلفة من الإساءة والإهمال واضطرابات البيئة الأسرية.
ولا يعني ذلك أن كل شخص مرّ بطفولة صعبة سيعاني من الغضب، ولا أن ماضينا يحدد مصيرنا.
لكن الدراسات تقول إن هناك علاقة تستحق الانتباه.
فمراجعة علمية حديثة نُشرت عام 2026، بعد فحص آلاف الدراسات واختيار 27 دراسة مناسبة للتحليل، وجدت ارتباطًا واضحًا بين سوء المعاملة في الطفولة وبين بعض أشكال التعبير عن الغضب في مرحلة البلوغ، سواء بحبس الغضب في الداخل أو إخراجه بصورة انفجارية.
هل أنا غاضب فقط مما حدث الآن… أم أن ما حدث الآن لمس شيئًا أقدم بداخلي؟
وراء الغضب قد يكون احتياج
أحيانًا تقول زوجة: "انا غاضبة لأن زوجي لم يتصل." وعندما نقترب أكثر من الشعور، نجد تفاصيل اعمق فتقول “اشعر أنني لست مهمة." وأعمق قليلًا: "اخاف أن يتم تجاهلي." وقد يصل الأمر إلى: "انا معتادة منذ طفولتي أن أشعر أن احتياجاتي تأتي في النهاية."
هنا الغضب لم يعد مجرد مشكلة نريد التخلص منها.
لقد أصبح بابًا لفهم الذات.
وقد يكون خلف الغضب احتياج للأمان، أو الاحترام، أو التقدير، أو الإنصاف، أو الشعور بأنني مسموع ومرئي ومقبول.
وهذا من أهداف العلاج النفسي: ألا نُسكت المشاعر بسرعة، بل نفهم الرسالة التي تحملها، ثم نتعلم التعبير عنها بطريقة صحية.
كبت الغضب ليس دائمًا هو الحل
بعض الناس لا يصرخون أبدًا.. لكن هذا لا يعني بالضرورة أنهم ينظمون مشاعرهم بطريقة صحية.. قد يبتسم الإنسان وهو غاضب.
يقول انه لا توجد مشكلة بينما بداخله عشرات المشكلات.. او يسكت سنوات ثم ينسحب فجأة من العلاقة.
لدينا في علم النفس فرق مهم بين تنظيم الانفعال وبين مجرد قمع التعبير عنه.
التنظيم يعني أن أفهم ما يحدث وأتعامل معه بوعي. أما القمع المستمر فقد يعني أنني أخفي التعبير الخارجي بينما يبقى الانفعال نفسه دون معالجة.
وهل يمكن فعلًا أن نتعلم إدارة الغضب؟
نعم… وهنا يأتي الجانب المشجع.
أن التدخلات النفسية فعالة جداً في تحسين مشكلات الغضب، ومنها العلاج المعرفي السلوكي CBT ، والعلاج السلوكي الجدلي DBT .. لهم دلالة في خفض الغضب، وخاصة عندما كان العلاج ممتدًا لفترة أطول.
أن عبارة: "انا هكذا ولن أتغير".. ليست حقيقة علمية.. لأن المخ يتعلم.. والجهاز العصبي يتعلم.. والإنسان يستطيع أن يتعلم طرقًا جديدة في الاستجابة..
ربما يكون من المفيد في لحظة الغضب أن نتعلم التوقف قليلًا ونسأل:
• ماذا أشعر في جسدي الآن؟
• ما الذي حدث مباشرة قبل غضبي؟
• ما الفكرة التي عبرت في رأسي؟
• هل شعرت بالرفض؟ بالخوف؟ بعدم الاحترام؟
• ما الذي أحتاجه فعلًا؟
• هل الطريقة التي سأعبّر بها عن غضبي ستقربني من هذا الاحتياج… أم ستبعدني أكثر؟
هذه الثواني البسيطة بين الانفعال والاستجابة يمكن أن تغيّر علاقات كاملة.
ولكن… فهم الجرح لا يبرر الأذى
وهنا نقطة أعتبرها أساسية جدًا في فلسفتي العلاجية:
أن نفهم لماذا نتصرف بهذه الطريقة لا يعني أن نبرر كل ما نفعله.
نعم، ربما عشت طفولة صعبة.
نعم، ربما جُرحت.
نعم، ربما تعلم جهازك العصبي أن يكون دائم الاستعداد للدفاع عن نفسه.
ولكن شريك حياتك ليس مسؤولًا عن دفع ثمن كل من جرحك قبله.
وأطفالك ليسوا المكان الذي تفرّغ فيه الألم الذي لم تعالجه.
الشفاء الحقيقي يجمع بين أمرين:
الرحمة بالنفس… والمسؤولية عن السلوك.
ومن الناحية الروحية…
لا أرى أن الإيمان يطلب من الإنسان أن ينكر غضبه.
فالروحانية الناضجة لا تقول لنا:
"لا تغضب كي تكون شخصًا صالحًا."
بل تدعونا إلى سؤال أعمق:
ماذا سأفعل بما أشعر به؟
هل سأسمح للغضب أن يتحول إلى إهانة وانتقام وكسر للآخر؟
أم سأستخدمه كإشارة تدعوني لفهم نفسي، ووضع حدود صحية، والبحث عن الحق دون أن أفقد الحب؟
في الإيمان كما في العلاج، هناك فارق بين الشعور والفعل.
قد لا نختار أول شعور يظهر داخلنا، لكن يمكننا مع الوعي والممارسة أن نتعلم كيف نختار استجابتنا.
من قلب رسالتي…
في المرة القادمة التي يغضب فيها شخص تحبه، لا تسارع دائمًا إلى الحكم عليه.
وفي المرة القادمة التي تغضب فيها أنت… لا تسارع إلى إدانة نفسك أيضًا.
توقف.
واستمع.
ربما يحاول شيء في داخلك أن يخبرك..
أنا خائف.
أنا متألم.
أنا أشعر أنني غير مرئي.
حدودي تم تجاوزها.
أنا أحمل شيئًا قديمًا لم يُشفَ بعد.
اسمع الرسالة… لكن لا تسلّمها قيادة حياتك.
لأن الهدف ليس أن نصبح بشرًا بلا غضب.
الهدف أن نصبح أكثر وعيًا بما يحدث داخلنا، وأكثر قدرة على تنظيم مشاعرنا، وأكثر مسؤولية عن الطريقة التي نعامل بها أنفسنا والآخرين.
فالوعي لا يلغي مشاعرنا…
لكنه يمنحنا مساحة بين ما نشعر به وما نفعله.
وفي هذه المساحة الصغيرة تحديدًا…
قد تبدأ الحرية.
وقد يبدأ الشفاء.
وقد نتعلم أخيرًا أن نعبر عن ألمنا…
دون أن نصنع ألمًا جديدًا في قلب شخص آخر.
Silvana Mikhail for Counseling & Coaching
Silvana S. Mikhail