هافانا بانانا

هافانا بانانا Contact information, map and directions, contact form, opening hours, services, ratings, photos, videos and announcements from هافانا بانانا, Shooting/Hunting Range, النبى تىعلؤ, Norwood Young America, MN.

رابعاً: أبوجا 2006.... صرف الرصيد والمنصب كقفص ذهبي1. من حسكنيتة إلى أبوجا: تحويل القيادة إلى توقيعلم تمضِ سوى ستة أشهر ...
08/23/2026

رابعاً: أبوجا 2006.... صرف الرصيد والمنصب كقفص ذهبي

1. من حسكنيتة إلى أبوجا: تحويل القيادة إلى توقيع

لم تمضِ سوى ستة أشهر تقريباً بين مؤتمر حسكنيتة وتوقيع اتفاق سلام دارفور في أبوجا في 5 مايو 2006. وهذه المسافة الزمنية القصيرة مهمة في فهم ما جرى. ففي حسكنيتة انتقل مني أركو مناوي من موقع الأمين العام إلى رئاسة جناح رئيسي من حركة تحرير السودان؛ وفي أبوجا تحولت تلك الرئاسة إلى الصفة التي تخوله التوقيع باسم الحركة والدخول، بموجب الاتفاق، إلى مؤسسات الدولة.

لكن أبوجا لم تبدأ في مايو. كانت الجولة السابعة من المفاوضات قد انطلقت في أواخر 2005 تحت وساطة الاتحاد الأفريقي بقيادة سالم أحمد سالم، وبمشاركة دولية واسعة شملت الولايات المتحدة وبريطانيا والأمم المتحدة وشركاء آخرين. وكانت المعضلة حاضرة منذ البداية: لم يعد المفاوضون أمام حركة تحرير السودان واحدة، وإنما أمام جناح عبد الواحد محمد نور، وجناح مناوي، إلى جانب حركة العدل والمساواة بقيادة خليل إبراهيم.

كان لهذا الانقسام أثر مباشر في هندسة التفاوض. فكل طرف صار لا يتفاوض مع الحكومة وحدها، بل يراقب أيضاً ما سيحصل عليه منافسه. وبحلول مايو 2006 كانت العلاقة بين عبد الواحد ومناوي قد تدهورت إلى درجة أن دراسة Small Arms Survey خلصت إلى أن توقيع أحدهما كان يجعل توقيع الآخر أقل احتمالاً. وقد توقع بعض الوسطاء في البداية أن يكون عبد الواحد هو الأقرب إلى التوقيع، قبل أن يحدث التحول في الأيام الأخيرة ويصبح مناوي هو الموقّع.

وهنا اكتملت الوظيفة السياسية لمؤتمر حسكنيتة. فقد أنتج المؤتمر رئيساً، وأبوجا احتاجت إلى رئيس يستطيع وضع توقيع باسم حركة مسلحة ذات وزن ميداني. لم يكن التوقيع مجرد موافقة على نص قانوني؛ كان تحويل الرصيد العسكري والسياسي الذي راكمه الفصيل إلى حصة داخل الدولة.

بلغة «سوق الأعمال السياسية»، كانت حسكنيتة عملية الاستحواذ، وأبوجا لحظة صرف أصل من أصول ذلك الاستحواذ.

لكن الصفقة كانت منذ بدايتها أكثر هشاشة مما بدت عليه.

2. اتفاق واسع على الورق وضيق في قاعدة القبول

كان اتفاق أبوجا وثيقة واسعة نسبياً. تناول تقاسم السلطة والثروة، والترتيبات الأمنية، ونزع سلاح المليشيات، ودمج مقاتلين من الحركات في القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وعودة النازحين واللاجئين، والتعويضات، والأراضي، وإعادة الإعمار، والحوار الدارفوري–الدارفوري. كما أنشأ السلطة الانتقالية الإقليمية لدارفور ونص على استفتاء لاحق بشأن الوضع الإداري للإقليم.

لكن المشكلة الأساسية لم تكن غياب النصوص وحده، بل الفجوة بين النص، ومطالب الأطراف، والثقة في الحكومة، وقابلية التنفيذ.

وهذا التفريق مهم خصوصاً في مسألتي نزع سلاح الجنجويد والتعويضات.

فليس دقيقاً القول إن اتفاق أبوجا «لم ينص على نزع سلاح الجنجويد». الاتفاق حمّل حكومة الوحدة الوطنية مسؤولية نزع سلاحهم، مع دور رقابي للاتحاد الأفريقي، وربط نزع سلاح المتمردين بانسحاب القوات الحكومية إلى مواقعها والسيطرة على الجنجويد. المشكلة التي أثارها عبد الواحد وآخرون كانت أن هذه الضمانات لم تكن، في نظرهم، كافية أو قابلة للإنفاذ، وأن الحركات لم تُمنح دوراً كافياً في الإشراف على عملية نزع السلاح.

وكذلك لم تكن التعويضات غائبة تماماً. أنشأ الاتفاق آلية للتعويض ورُصدت دفعة حكومية أولى قدرها 30 مليون دولار، لكن غالبية المتمردين اعتبرت الالتزام المالي أقل كثيراً من المطلوب مقارنة بحجم الدمار والنزوح وفقدان الممتلكات. وتكشف دراسة اتفاق أبوجا أن زيادة التعويضات وتحديدها بصورة أوضح كانت من الاعتراضات الأساسية لدى عبد الواحد.

إذن، جوهر الخلاف لم يكن الاختيار البسيط بين «وجود» التعويض و«غيابه»، أو «وجود» نزع السلاح و«غيابه». كان الخلاف حول الحجم، والضمان، والتوقيت، ومن يراقب التنفيذ، وهل يستطيع النازح أن يعود إلى قريته قبل تفكيك القوة التي طردته منها أصلاً.

وهذا هو الفرق بين الاتفاق المكتوب والسلام القابل للحياة.

3. لماذا رفض عبد الواحد؟

كان عبد الواحد محمد نور في موقع سياسي مختلف عن مناوي. جناحه لم يكن الأقوى عسكرياً في لحظة أبوجا، لكنه كان يمتلك قاعدة مهمة وسط الفور، وهي أكبر المكونات السكانية في دارفور، كما كان يتمتع بنفوذ واسع وسط قطاعات من النازحين. ولهذا كانت حساباته مرتبطة بدرجة أكبر بشرعية الاتفاق وسط المجتمعات المتضررة، لا فقط بموازين القوات المسلحة. وتؤكد دراسة Laurie Nathan أن غياب عبد الواحد عن الاتفاق كان خطيراً تحديداً بسبب وزنه وسط أكبر مجموعة سكانية وفي أوساط النازحين.

تركزت اعتراضاته الأخيرة على مجموعة محددة من القضايا: زيادة التعويضات للمتضررين، مشاركة الحركة في مراقبة نزع سلاح الجنجويد، توفير حماية أكثر ضماناً للنازحين واللاجئين عند العودة، وزيادة التمثيل السياسي. وبعد توقيع مناوي، طلب عبد الواحد استمرار معالجة هذه المسائل، لكن الوسطاء اعتبروا أن الاتفاق لم يعد مفتوحاً لإعادة التفاوض بعد اعتماده من الحكومة ومناوي.

وهنا ارتكب مسار أبوجا أحد أخطائه الكبرى.

بدلاً من استخدام توقيع مناوي كبداية للتفاوض على إدخال الآخرين، أصبح التوقيع نفسه نقطة إغلاق للنص. وقيل لعبد الواحد، عملياً: يمكنك الانضمام إلى الاتفاق، لكن لا يمكنك إعادة فتحه.

هذا حوّل الخلاف من تفاوض على شروط السلام إلى اختيار ثنائي: التوقيع أو البقاء خارجه.

وكانت المسألة الأمنية الأشد حساسية. بالنسبة إلى النازحين، لم يكن نزع سلاح الجنجويد بنداً فنياً. كان الشرط الذي يسبق العودة إلى القرى والأراضي. إذا بقيت المليشيات التي شاركت في التهجير مسلحة أو أعيد دمج أفراد منها في أجهزة الدولة دون عملية تفكيك قابلة للتحقق، فإن اتفاقاً يطلب من النازح العودة لا يقدم له ضماناً فعلياً.

لذلك فإن رفض عبد الواحد لا يمكن اختزاله في رغبة شخصية في تعطيل السلام، كما لا يصح تصويره كله باعتباره موقفاً مبدئياً منزهاً عن حسابات القيادة. كانت هناك حسابات سياسية وشخصية بلا شك، لكن كانت هناك أيضاً اعتراضات موضوعية حقيقية على الأمن والتعويض والتمثيل، وقد اعترف بها حتى عدد من المشاركين في عملية الوساطة.

4. لماذا رفض خليل إبراهيم؟ اتفاق دارفوري لحركة ذات مشروع سوداني

أما حركة العدل والمساواة فكانت تقرأ أبوجا من زاوية مختلفة.

منذ نشأتها لم تطرح الحركة قضية دارفور بوصفها قضية إقليمية فقط، بل ربطتها بإعادة توزيع السلطة والثروة في السودان كله. ولذلك كان الاتفاق الذي يقدم ترتيبات إقليمية لدارفور أقل انسجاماً مع مشروعها السياسي من اتفاق يعيد هيكلة مركز الدولة نفسه. وتصف Small Arms Survey هذه النقطة بصورة مباشرة: كانت لحركة العدل والمساواة أجندة سياسية وطنية لا يمكن لاتفاق محصور في دارفور أن يشبعها بالكامل.

كان خليل إبراهيم يريد ترتيبات أوسع في السلطة المركزية وتقاسماً أكبر للنفوذ الوطني، بينما كانت الحكومة محكومة أيضاً بقيود اتفاقية السلام الشامل مع الحركة الشعبية، التي كانت قد وزعت بالفعل أجزاء رئيسية من السلطة الاتحادية. لذلك كانت الخرطوم ترفض فتح بنية السلطة التي أنشأتها اتفاقية نيفاشا لإعادة توزيعها مرة أخرى على حركات دارفور. وقد أشار تقييم اتفاق أبوجا إلى أن هذه القيود جعلت استنساخ نموذج اتفاقية السلام الشامل في دارفور سياسياً شبه مستحيل.

لكن العامل التشادي كان مهماً كذلك.

بحلول أواخر 2005 كانت العلاقة بين الخرطوم وإنجمينا قد دخلت مرحلة الحرب بالوكالة. بعد الهجوم على أدري في ديسمبر 2005، انتقل الدعم التشادي للحركات الدارفورية، ولا سيما حركة العدل والمساواة، من مستوى أكثر تحفظاً إلى دعم أكثر وضوحاً. وتذكر دراسات عن الحرب التشادية–السودانية أن تشاد وفرت للحركات ملاذاً ودعماً مادياً ولوجستياً، وأن العلاقة بين نظام إدريس ديبي وحركة العدل والمساواة أصبحت شديدة الوثوق مع تصاعد الحرب بالوكالة.

وهذا يعني أن خليل دخل الأيام الأخيرة من أبوجا وهو لا يعتمد على الاتفاق وحده للبقاء. كان لديه مجال خلفي في تشاد وشبكة دعم عسكري وسياسي خارج السودان.

وكانت هذه العلاقة ستتعاظم في العامين التاليين. ففي فبراير 2008، عندما هاجمت المعارضة التشادية إنجمينا بدعم سوداني، قاتلت حركة العدل والمساواة إلى جانب نظام ديبي؛ وفي مايو من العام نفسه نقلت الحركة الحرب إلى أم درمان نفسها. وهكذا أصبح الصراع الدارفوري جزءاً من سوق سياسي وأمني عابر للحدود، تحولت فيه الحركات المسلحة السودانية والتشادية إلى أدوات وقوى مستقلة في الحرب بين الخرطوم وإنجمينا.

لذلك لم يكن خليل في مايو 2006 في الوضع نفسه الذي كان فيه مناوي. مناوي كان أمام فرصة لتحويل موقعه العسكري إلى اتفاق واعتراف ومنصب. أما خليل فكان يرى، على الأرجح، أن ميزان القوة الإقليمي لا يزال يمنحه إمكانية انتزاع اتفاق أفضل لاحقاً.

5. لماذا وقّع مناوي؟

هنا يجب أن نتجاوز تفسيراً سهلاً لكنه غير كافٍ: «مناوي وقّع من أجل المنصب».

المنصب كان جزءاً من العائد، لكنه لا يفسر وحده القرار.

كان مناوي في مايو 2006 قد خرج لتوه من صراع شرعية داخل الحركة. وكان يحتاج إلى اعتراف خارجي يحول نتيجة حسكنيتة من أمر واقع داخل فصيل إلى صفة سياسية معترف بها على المستوى السوداني والدولي.

والتوقيع قدم له ذلك فوراً.

لقد أصبح الموقّع الوحيد من القادة الرئيسيين للحركات، وأصبح الاتفاق يعامله باعتباره الشريك الدارفوري الأساسي للحكومة. كما خُصص للموقع الذي يشغله الموقّع منصب كبير مساعدي رئيس الجمهورية، وهو رابع أعلى موقع في الجهاز التنفيذي وفق هيكل الاتفاق، إضافة إلى رئاسة السلطة الانتقالية الإقليمية لدارفور ومواقع في المؤسسات الاتحادية والولائية.

وكان هناك عامل ثانٍ: الضغط الدولي.

تظهر روايات عملية التفاوض أن مناوي تعرض في الأيام الأخيرة لضغوط شديدة، ولا سيما من الجانب الأمريكي. وكان الوسطاء الدوليون يعتبرونه أهم قائد ميداني بسبب حجم قواته آنذاك. وتشير دراسة Laurie Nathan إلى أنه حُذّر من احتمالات العقوبات إذا رفض التوقيع، وأن المناخ في الساعات الأخيرة لم يعد مناخ تفاوض طبيعي بقدر ما أصبح سباقاً للحصول على توقيع قبل انتهاء المهلة.

لكن الضغط لا يلغي الاختيار.

مناوي رأى أيضاً فرصة سياسية حقيقية. كان يمكنه أن يصبح أول قائد من ثوار دارفور ينتقل من الميدان إلى قمة جهاز الدولة، وأن يحصل على الموارد والمواقع التي يستطيع، نظرياً، استخدامها لتنفيذ جزء من برنامج الحركة.

من وجهة نظره آنذاك، يمكن تصور الرهان هكذا: التوقيع يمنح الحركة اعترافاً رسمياً، وموارد، وتمثيلاً في الدولة، ودمجاً لآلاف المقاتلين، ومؤسسات إقليمية في دارفور؛ وبعد الدخول إلى الدولة يمكن الضغط لتنفيذ البقية.

المشكلة لم تكن في منطق الرهان وحده.

المشكلة كانت في القوة التي سيملكها لتنفيذ الرهان بعد أن يضع السلاح السياسي الأهم — توقيعه — على الطاولة.

6. صرف الرصيد: من قائد ميداني إلى كبير مساعدي الرئيس

في 7 أغسطس 2006 أدى مناوي القسم كبيراً لمساعدي رئيس الجمهورية، وأصبح، بموجب الاتفاق، رئيساً للسلطة الانتقالية الإقليمية لدارفور. وعلى الورق كان هذا انتقالاً هائلاً: قائد متمرد كان يقاتل الدولة قبل أشهر أصبح أحد كبار مسؤوليها.

بلغة سوق الأعمال السياسية، كانت هذه لحظة «صرف الرصيد».

القوات، والاسم، ومؤتمر حسكنيتة، والاعتراف الدولي، والقدرة على تعطيل الحرب أو استمرارها، كلها أصول سياسية. في أبوجا حُولت هذه الأصول إلى حزمة من المقابل: منصب، ومقاعد، ومؤسسات، ودمج عسكري، ووعود مالية وتنموية.

لكن هناك فرقاً جوهرياً بين «قيمة المنصب الاسمية» و«القوة السياسية التي يمنحها».

كان لقب كبير مساعدي الرئيس مرتفعاً جداً في التسلسل البروتوكولي، لكن الدولة لم تُعَد هيكلتها بحيث يمتلك صاحب المنصب جهازاً تنفيذياً مستقلاً عن المؤتمر الوطني أو سلطة على القوات المسلحة أو المالية أو الأمن.

وهنا بدأ «القفص المذهّب».

7. القفص المذهّب: المنصب موجود والسلطة غائبة

بعد أشهر قليلة فقط من التوقيع، كانت علامات العجز واضحة.

تصف دراسة Small Arms Survey كيف بدأ حتى الموالون لمناوي يتحدثون عن وجوده في «قفص مذهّب». فقد كان كبير مساعدي الرئيس، لكن ازدياد انعدام الأمن في دارفور جعل قطاعات من السكان وقادته أنفسهم يرون أنه غير قادر على إجبار الخرطوم على تنفيذ الاتفاق أو حماية حتى مناطق نفوذه.

والمشكلة لم تكن انطباعاً فقط.

تكشف تقارير مجموعة الأزمات عن أن الحكومة لم توفر في 2007 الأموال الرئيسية التي التزمت بها لإعادة إعمار دارفور. فالميزانية تضمنت 200 مليون دولار لصندوق إعادة الإعمار والتنمية، إضافة إلى مساهمة أولية قدرها 300 مليون دولار، لكن الأموال الرئيسية لم تكن قد أتيحت، بينما كانت قيادة حركة مناوي تحاول الحصول على تفسير لما حدث لها.

كما أن بعض التعيينات في الولايات والمؤسسات لم تُنفذ وفق قوائم حركة مناوي. سجلت مجموعة الأزمات أن الرئيس أجرى تعيينات دون موافقة الحركة، وأن شخصية بارزة في السلطة الانتقالية وصفت الوضع بأن المؤتمر الوطني استوعب مناوي ثم همّشه.

هذه هي آلية الاحتواء في سوق الأعمال السياسية.

الفاعل المسلح يمتلك قبل الاتفاق قدرة على إزعاج الدولة: يستطيع أن يقاتل، ويحتل الأرض، ويعطل الطريق، ويفسد عملية سياسية، ويستدعي اهتماماً دولياً.

بعد الاتفاق يحصل على مكتب وسيارة وحرس ولقب وميزانية، لكنه يفقد بالتدريج جزءاً من قدرته السابقة على الإزعاج.

كلما اندمج في الدولة ارتفعت تكلفة خروجه منها.

وكلما ضعفت قواته في الميدان انخفضت قدرته على تهديد شريكه.

فتتحول الصفقة من شراكة بين قوتين إلى استيعاب قوة أصغر داخل بنية قوة أكبر.

8. الخطأ الذي ظهر فور التوقيع: مناوي لم يعد يملك القوة التي وقع على أساسها

كان أحد أهم الافتراضات التي بُني عليها الضغط الدولي للتوقيع أن مناوي يمثل الفصيل الأقوى عسكرياً في دارفور.

لكن هذه القيمة بدأت تنهار بسرعة شديدة بعد 5 مايو.

توثق دراسة Victor Tanner وJérôme Tubiana أنه بين يونيو وسبتمبر 2006 انشق عدد كبير من مقاتلي مناوي وانضم بعضهم إلى الحركات غير الموقعة، بينما عاد آخرون إلى حياتهم المدنية. وبحلول أكتوبر، قدرت مصادر تشادية أن القوة المباشرة المتبقية لمناوي ورئيس أركانه جمعة محمد حقار لم تتجاوز بضع مئات من الرجال وبضع عشرات من العربات. كما خسر مساحات واسعة من الأراضي التي كان يسيطر عليها قبل أبوجا.

وهذا تحوّل بالغ الأهمية.

فالمجتمع الدولي ضغط على مناوي باعتباره «الرجل الذي يملك القوة على الأرض»، لكن توقيعه نفسه ساهم في تفكيك تلك القوة.

من رفضوا الاتفاق تركوه.

ومن خافوا من التحول إلى جزء من الحكومة ابتعدوا عنه.

ومن كان ولاؤهم قائماً على استمرار الثورة لم يعد لديهم سبب للبقاء تحت قيادة تحولت إلى شريك للخرطوم.

وهكذا حدثت مفارقة قاسية:

القوة التي جعلت توقيع مناوي ثميناً تقلصت بسبب توقيعه.

وبلغة السوق، اشترت الخرطوم أصلاً بسعر محسوب على قيمته قبل الصفقة؛ ثم انخفضت قيمة الأصل بعد الاستحواذ.

وهذا عزز عدم التكافؤ بين الطرفين.

فلماذا تقدم الحكومة تنازلات إضافية لقائد كانت قوته العسكرية نفسها تتآكل؟

9. من حركة ثورية إلى حليف عسكري للحكومة

كانت المشكلة الأكثر تدميراً للرصيد الشعبي لمناوي هي ما حدث في الميدان بعد الاتفاق.

فقد دخلت قواته في عمليات مشتركة مع القوات الحكومية ضد الحركات التي رفضت أبوجا. وتوثق الدراسات قتال قوات SLA/MM إلى جانب الحكومة في مناطق من شمال دارفور، كما سجلت اتهامات بانتهاكات ضد المدنيين. وقد أدى ذلك إلى انتقال مناوي، في نظر قطاعات من الدارفوريين، من قائد ثورة ضد الخرطوم إلى شريك عسكري للخرطوم ضد رفاقه السابقين.

وكانت النتيجة كارثية على الشرعية.

فالاتفاق لم يحقق أمناً سريعاً للمدنيين. بل تشير الأمم المتحدة إلى نزوح نحو 200 ألف شخص إضافي بين يوليو وسبتمبر 2006 نتيجة تصاعد القتال وانعدام الأمن. وفي الوقت نفسه ظلت هجمات الجنجويد والقوات الحكومية مشكلة مركزية.

وهنا فقدت أبوجا إحدى أهم أدواتها الأخلاقية.

كان يمكن للناس قبول اتفاق ناقص إذا رأوا بعده الأمن والعودة والتعويض.

لكنهم رأوا اتفاقاً ثم رأوا مزيداً من القتال.

ولذلك كتب يان برونك بعد أسابيع من التوقيع أن المشكلة لم تعد فقط في نص الاتفاق؛ الاتفاق لم يكتسب قبولاً وسط الناس، وواجه خصوصاً مقاومة شديدة في معسكرات النازحين. وتوصل Laurie Nathan إلى أن غياب «ملكية» أهل دارفور للعملية كان أحد أسباب انهيارها.

الشرعية لا تنتج من توقيع الوسطاء.

تنتج عندما يرى المتضرر أن حياته تغيرت.

وهذا لم يحدث.

10. أبوجا كمصنع للانشقاقات

ربما يكون الأثر الأكثر ديمومة لاتفاق أبوجا هو أنه غيّر اقتصاد الانشقاق داخل الحركات.

قبل أبوجا كان الانشقاق يحمل مخاطرة كبيرة: على القائد المنشق أن يجد مقاتلين ومالاً وسلاحاً وعلاقات خارجية، وأن يثبت أنه فصيل حقيقي.

بعد أبوجا ظهر حافز جديد.

إذا كان الانشقاق يمكن أن يجعل قائده «طرفاً»؛ وإذا كان الاعتراف به كطرف يتيح له توقيع إعلان التزام؛ وإذا كان التوقيع يفتح باباً إلى منصب أو مورد أو تمثيل سياسي، فإن تأسيس فصيل صغير يصبح استثماراً سياسياً قابلاً للربح.

وهذا ليس استنتاجاً نظرياً فقط.

سجلت مجموعة الأزمات أن الحكومة شجعت قادة من الفصائل غير الموقعة على الانشقاق وتوقيع بروتوكولات تربطهم باتفاق أبوجا. كما أسست لجنة عليا لتنفيذ الاتفاق، وكُلّف جهاز الأمن بالمساعدة في إدخال القادة الميدانيين إلى مسار الاتفاق؛ لكن مقابلات المجموعة أشارت إلى أن هذه السياسة كانت، عملياً، تعمّق الانقسامات وتضعف فرص توحيد الثوار.

وهكذا تحول «السلام» إلى سوق.

لم يعد السؤال فقط: هل تقبل الحركة الاتفاق؟

أصبح السؤال أيضاً: أي قائد داخل الحركة يمكن أن نأخذه منفرداً؟

وإذا رفض الرئيس، هل يوقع نائبه؟

وإذا رفضت القيادة، هل يوقع قائد ميداني؟

وإذا لم توجد حركة مستعدة للتوقيع، هل يمكن الاعتراف بانشقاق جديد ثم توقيع اتفاق معه؟

11. «إعلانات الالتزام» والتوقيعات الجزئية: تجزئة المعارضة بدلاً من توحيد السلام

ظهر هذا بوضوح فور التوقيع.

انشق عدد من أعضاء وفد جناح عبد الواحد وأعلنوا تأييد الاتفاق، ثم تشكلت كيانات موالية لأبوجا، من بينها ما عرف بـSLA-Free Will. كما انشق ستة أعضاء غير زغاوة من وفد حركة العدل والمساواة وأعلنوا تأييد الاتفاق، وشكلوا جناح «العدل والمساواة ـ جناح السلام».

ويذكر Small Arms Survey أن بعض مصادر الإغاثة اعتبرت SLA-Free Will نتاجاً لتشجيع الوفد الحكومي في أبوجا بهدف تقسيم المتمردين، وأن الحركة لم تكن ذات وزن عسكري يذكر. أما جناح السلام في حركة العدل والمساواة فتكون من ستة مندوبين من مكونات مختلفة وامتلك قوة عسكرية محدودة.

هنا انقلبت فلسفة الاتفاق رأساً على عقب.

كان المفترض أن الاتفاق يجمع الحركات.

لكن آلية «إعلان الالتزام» سمحت بأن ينضم الأفراد والفصائل الصغيرة إلى الاتفاق دون أن تأتي قياداتهم أو قواعدهم الأصلية معهم.

وهذا أعطى الحكومة مكسبين.

الأول أنها تستطيع القول إن قاعدة الموقعين تتوسع.

والثاني أنها تستطيع إضعاف خصومها عن طريق جذب أفراد من داخلهم.

لكن عدد التوقيعات ليس هو نفسه حجم السلام.

يمكن أن تضيف عشرة أسماء إلى الاتفاق بينما تقل قدرته على إنهاء الحرب، إذا كانت هذه الأسماء خرجت من عشرة انشقاقات جديدة.

وفي لغة الشركة السياسية، جرى تحويل الاتفاق من صفقة اندماج إلى برنامج لتجزئة المنافس.

12. المؤتمر الوطني: تفاوض مع الحركة ثم تفاوض مع أجزائها

توضح هذه المرحلة نمطاً ثابتاً في تعامل المؤتمر الوطني.

لم يكن المطلوب دائماً القضاء العسكري الكامل على الحركة. كان يمكن خفض قدرتها عن طريق تفكيكها إلى وحدات أصغر، ثم التعامل مع كل وحدة وفق سعر مختلف: منصب لهذا، ولاية لذاك، رتبة عسكرية لثالث، ومال أو مورد أو اعتراف لرابع.

وتسجل مجموعة الأزمات حالات تفاوض الحكومة مع قادة منفردين، كما تحدثت عن اتفاقات مع بعض المنشقين وعن استخدام الموارد والمواقع السياسية لجذبهم. وأصبح القادة الميدانيون الذين كانوا في السابق جزءاً من قيادة مشتركة منافسين على الحصة الحكومية نفسها.

هذا هو المنطق الذي يجعل «الصفقة الفردية» أخطر من مجرد فساد فرد.

لأنها تغير حوافز النظام السياسي كله.

إذا كان بقاء القائد داخل حركة كبيرة يجعله الرجل العاشر فيها، بينما الانشقاق يجعله رئيس حركة ويفتح له باب التفاوض المباشر مع الخرطوم، فإن النظام يكافئ الانشقاق ويعاقب الوحدة.

وهكذا صار من الممكن إنتاج رئيس حركة من قائد كتيبة، ثم إنتاج اتفاق من رئيس الحركة الجديدة، ثم إنتاج منصب من الاتفاق.

هذه ليست نتيجة جانبية لعملية السلام.

إنها إعادة تشكيل لسوق المعارضة نفسها.

13. الطرف الآخر أيضاً يتشظى

لكن خطأ سيكون تحميل الحكومة وحدها مسؤولية كل الانقسامات.

الفصائل غير الموقعة نفسها عانت من صراعات شخصية وقبلية وتنظيمية، وضعف المؤسسات، وتدخل القوى الإقليمية. حتى «جبهة الخلاص الوطني» التي تشكلت بعد أبوجا من حركة العدل والمساواة وقيادات وفصائل أخرى واستطاعت تحقيق بعض النجاحات العسكرية، لم تستطع الحفاظ على وحدة سياسية مستقرة. وتؤكد الدراسات أن الحركات غير الموقعة نفسها عادت إلى الانقسام في أواخر 2006.

لكن أبوجا جعل الانقسام أكثر ربحية.

وهذه هي النقطة التحليلية الحاسمة.

ليس الاتفاق هو الذي خلق كل الخلافات.

الخلافات كانت موجودة.

لكنه غيّر «سعر» الانشقاق.

قبل الاتفاق قد يعني الانشقاق العزلة.

بعد الاتفاق قد يعني الانشقاق مقعداً على طاولة التفاوض.

وهذا بالضبط ما يفسره نموذج السوق السياسي: عندما يستطيع الفاعل تحويل ولائه إلى مورد سياسي أو مالي، يصبح الولاء نفسه سلعة، ويصبح الانتقال بين المعسكرات عملية تفاوض على السعر.

14. من «الشريك الأكبر» إلى شريك لا يؤخذ بجدية

كانت علاقة مناوي بالمؤتمر الوطني تتدهور بالتوازي مع تراجع قوته في الميدان.

في مارس 2007 وصلت الأزمة إلى اشتباك مسلح في أم درمان بين قوات تابعة لمناوي والشرطة والأجهزة الحكومية. قُتل أفراد من الطرفين، واعتُقل عدد كبير من عناصر الحركة، ودخلت القوات الحكومية مقرها وصادرت أجهزة ووثائق. وبعد الحادث هدد مناوي بالعودة إلى التمرد واتهم المؤتمر الوطني بتقويض اتفاق أبوجا والشراكة السياسية التي قام عليها.

هذه الحادثة شديدة الدلالة.

فالرجل الذي كان الاتفاق يضعه نظرياً في المرتبة الرابعة في الجهاز التنفيذي وجد قوات الدولة تقتحم مقر حركته في العاصمة.

وهنا تتجسد طبيعة «القفص المذهّب».

اللقب كبير.

لكن أجهزة القوة الحقيقية — الجيش والأمن والشرطة والمال والإدارة — ليست تحت سلطتك.

وتستطيع المؤسسة التي يفترض أنك شريك فيها أن تتعامل مع قواتك باعتبارها مشكلة أمنية.

بعبارة أخرى: أعطت الدولة مناوي مكاناً داخل القصر، لكنها لم تعط الحركة نصيباً مكافئاً في الدولة العميقة التي تحكم القصر.

15. سلطة دارفور الانتقالية: جهاز بلا أدوات كافية

كان يفترض أن تكون السلطة الانتقالية الإقليمية لدارفور الآلية التي يحول مناوي من خلالها الاتفاق إلى سياسات.

لكن السلطة نفسها كانت محدودة.

أُطلقت رسمياً في أبريل 2007، أي بعد قرابة عام من توقيع الاتفاق، في وقت كانت فيه شرعية أبوجا قد تضررت بالفعل بشدة. كما كانت مؤسسات التعويض والأراضي والإعمار والترتيبات الأمنية تتأخر عن جداولها المحددة. وقد خلصت مجموعة الأزمات بعد عام من الاتفاق إلى أن تنفيذه أصبح مساراً متمركزاً في الخرطوم، موجهاً بدرجة كبيرة بواسطة المؤتمر الوطني، ومنفصلاً عن قاعدة شعبية حقيقية في دارفور.

وكان هذا عكس ما يحتاجه مناوي تماماً.

لكي يحافظ على شرعيته بعد التخلي عن الحرب، كان عليه أن يعود إلى دارفور وهو يحمل «عائد سلام» ملموساً:

أمن.

تعويض.

عودة للنازحين.

إعادة إعمار.

وظائف.

أرض.

مشاركة حقيقية في القرار.

لكن عندما لا تصل هذه الأشياء، يبقى الشيء الوحيد المرئي هو المنصب نفسه.

وهنا تتحول الوظيفة التي كان يفترض أن تكون وسيلة لتنفيذ الاتفاق إلى الدليل على أن الاتفاق أفاد صاحبه أكثر مما أفاد قاعدته.

وهذا يفسر قوة اتهام «خلق وظيفة لفرد واحد» الذي ظهر قبل أبوجا؛ لأن إخفاق التنفيذ جعل الواقع اللاحق يبدو وكأنه يؤكده.

16. مشكلة التعويض: المال الذي لم يتحول إلى عقد اجتماعي

كان التعويض عن الجرائم والتهجير أحد أكثر الملفات حساسية.

خصص الاتفاق لجنة للتعويضات ودفعة أولية، لكن حجم الموارد كان أقل من توقعات النازحين والحركات. ثم جاءت مشكلة التنفيذ نفسها. وتفيد تقارير 2007 بأن الحكومة أفرجت عن خمسة ملايين دولار فقط كدفعة أولى لصندوق التعويض في المرحلة التي أطلقت فيها السلطة الانتقالية، بينما بقيت الالتزامات الأوسع الخاصة بإعادة الإعمار موضع نزاع وتأخير.

والتعويض في دارفور لم يكن مسألة مالية فقط.

كان اعترافاً بالضرر.

ومن هنا كانت أهمية التعويض الفردي والجماعي في تصور النازحين واللاجئين: من فقد منزله وماشيته وأرضه وأفراداً من أسرته لا يرى صندوق تنمية إقليمياً بديلاً مباشراً عن حقه الشخصي في جبر الضرر.

وضع مبلغ عام داخل صندوق شيء.

وضمان حق الضحية الفردية والجماعة المتضررة في تعويض واضح وقابل للمطالبة والتنفيذ شيء آخر.

ولهذا ظلت القضية من نقاط الرفض الأساسية للاتفاق.

17. نزع سلاح الجنجويد: الاختبار الذي فشل

والأمر نفسه في الترتيبات الأمنية.

كان الاتفاق ينص على مسؤولية الحكومة عن نزع سلاح الجنجويد، لكن تقارير لاحقة لم تجد تقدماً قسرياً ذا شأن في عملية نزع السلاح. وفي أبريل 2007 أشارت مجموعة الأزمات، استناداً إلى تقارير فريق الخبراء، إلى أن الخطة الحكومية كانت موجودة لكن التنفيذ الفعلي لنزع السلاح ظل ضئيلاً للغاية.

وهنا كان اعتراض عبد الواحد يكتسب ثقله بأثر رجعي.

ليس لأن الاتفاق «نسي» الجنجويد، بل لأن آلية التنفيذ اعتمدت إلى حد بعيد على الدولة نفسها لكي تنزع سلاح القوى التي كانت قد سلحتها واستخدمتها في الحرب.

وهذه معضلة تصميم حقيقية.

الطرف المطلوب منه نزع السلاح كان في الوقت نفسه طرفاً في النزاع.

والقوة الدولية الموجودة لم تكن تمتلك قدرة مستقلة كافية لفرض التنفيذ.

فبقي البند موجوداً على الورق بينما ظل الخوف موجوداً على الأرض.

18. لماذا لم يكتسب الاتفاق قبولاً شعبياً؟

كان فشل القبول الشعبي نتيجة اجتماع عدة عوامل.

أولاً، لم يوقع عبد الواحد، الذي كانت له قاعدة مهمة وسط الفور والنازحين.

ثانياً، لم توقع حركة العدل والمساواة.

ثالثاً، لم يتحسن الأمن بعد الاتفاق بل تصاعد القتال في مناطق عدة.

رابعاً، لم ير الناس النتائج السريعة في التعويض والعودة ونزع السلاح.

خامساً، تحولت قوات مناوي في بعض المناطق إلى حليف عسكري للقوات الحكومية ضد غير الموقعين، الأمر الذي ساهم في تآكل صورته باعتباره ممثلاً للثورة.

لهذا خلصت مجموعة الأزمات في أبريل 2007 إلى أن اتفاق أبوجا فشل في تحقيق السلام بسبب ضعف معالجة قضايا رئيسية، وقلة عدد المتمردين الذين وقعوا، وانعدام «الشراء» أو القبول الكافي داخل المجتمع الدارفوري الذي لم يكن ممثلاً بصورة مناسبة في المفاوضات.

وهذه ربما أهم نتيجة في تقييم أبوجا:

الاتفاق امتلك توقيعاً دولياً وقانونياً أكبر من شرعيته الاجتماعية.

وهذا النوع من الاتفاقات يمكن أن ينشئ مؤسسات.

لكنه لا يستطيع وحده إنهاء التمرد.

19. من 2007 إلى 2010: شراكة تتآكل ببطء

لم يخرج مناوي من الحكومة فور اكتشاف ضعف الاتفاق. بقي عدة سنوات وحاول، على فترات، الضغط لتنفيذه.

وهذه نقطة مهمة لأن تصوير وجوده في الخرطوم كله كاستسلام فوري يُفقد الرواية دقتها.

كان لديه سبب للبقاء: الخروج يعني الاعتراف بفشل الرهان الذي قام عليه قرار التوقيع، والتخلي عن المواقع التي حصل عليها، والعودة إلى الميدان بعد أن تكون قواته قد تقلصت وانقسمت.

وفي المقابل، كان للمؤتمر الوطني سبب للإبقاء عليه: وجود الموقع الرئيسي لاتفاق أبوجا داخل الحكومة يسمح للخرطوم بالقول إن الاتفاق ما زال حياً، حتى مع استمرار الحرب.

لهذا أصبحت العلاقة نوعاً من الاعتماد المتبادل غير المتكافئ.

مناوي يحتاج الاتفاق لكي يبرر وجوده في الدولة.

والحكومة تحتاج مناوي لكي تبرر وجود الاتفاق.

لكن أياً منهما لم يكن يثق في الآخر بما يكفي لتحويل العلاقة إلى شراكة حقيقية.

وفي يوليو 2008 اضطر عمر البشير إلى دعوة مناوي علناً للعودة إلى مهامه بعد أن ابتعد عن الخرطوم احتجاجاً على الخلافات بشأن التنفيذ. مجرد وصول العلاقة إلى مرحلة يحتاج فيها الرئيس إلى مناشدة شريكه للعودة يكشف حجم الأزمة.

20. انتخابات 2010 ونهاية القيمة التفاوضية القديمة

بحلول 2010 كان السياق كله قد تغير.

جرت الانتخابات العامة، وظهرت عملية سلام جديدة في الدوحة، وتبدلت موازين القوة في دارفور. وفي منتصف 2010 كان منصب كبير مساعدي الرئيس شاغراً بعد الانتخابات، بينما جرت مفاوضات بشأن إعادة تعيين مناوي في موقعه ورئاسة السلطة الانتقالية.

وهذه اللحظة تكشف شيئاً مهماً في منطق السوق السياسي.

المنصب الذي بدا عام 2006 استحقاقاً ناجماً عن اتفاق دولي أصبح بعد أربع سنوات موضوع تفاوض جديد.

أي أن «السعر» القديم لم يعد مضموناً.

لقد انخفضت القوة العسكرية لمناوي، وتدهورت شعبية الاتفاق، وظهر لاعبون جدد، وبدأت عملية سلام أخرى تستهدف فصائل مختلفة.

وهنا فقدت الصفقة القديمة احتكارها.

كانت أبوجا في 2006 هي السوق.

في 2010 أصبحت واحدة من اتفاقات الماضي.

21. الخروج: حين لم يعد القفص مذهّباً بما يكفي

في ديسمبر 2010 انهارت العلاقة نهائياً.

اندلعت مواجهات بين القوات الحكومية وقوات حركة مناوي، وأعربت بعثة UNAMID عن قلقها من هجوم القوات المسلحة السودانية على مواقع SLA/MM في جنوب دارفور. وفي الفترة نفسها أعلن مناوي أن اتفاق أبوجا مات واتهم الحكومة بالفشل في تنفيذه، ثم عاد إلى خيار المعارضة المسلحة.

من منظور مناوي، كان سبب الخروج واضحاً: الحكومة لم تنفذ الاتفاق بالصورة التي تجعل استمرار مشاركته ذا معنى.

لكن من منظور السوق السياسي، يمكن صياغة الأمر بصورة أدق.

دخل مناوي الحكومة وهو يملك رصيداً عسكرياً وسياسياً مرتفعاً مقابل وعد بحصة في السلطة والثروة.

مع مرور السنوات، تبين أن الحصة أقل من المتوقع.

وفي الوقت نفسه، انخفض الرصيد الذي دخل به.

وعندما أصبح البقاء لا يمنحه سلطة كافية، والخروج لم يعد يعني خسارة المكاسب نفسها التي كان يعنيها في 2006، تغير الحساب.

فالفاعل السياسي لا يبقى في الصفقة إلى الأبد لمجرد أنه وقعها.

يبقى ما دام العائد من البقاء أعلى من عائد الخروج.

وفي 2010 انقلب الميزان.

22. أبوجا كصفقة ناجحة تكتيكياً وفاشلة استراتيجياً

إذا نظرنا إلى أبوجا من منظور الأطراف المختلفة، نجد نتائج متناقضة.

بالنسبة إلى الحكومة، نجحت الصفقة تكتيكياً: أخرجت أقوى فصيل ميداني آنذاك من معسكر الحرب، وحصلت على توقيع يتيح لها القول إن هناك اتفاق سلام، وانقسم خصومها بصورة أكبر.

لكنها فشلت استراتيجياً: الحرب لم تنته، وحركة العدل والمساواة ازدادت قوة حتى وصلت إلى أم درمان في مايو 2008، وعبد الواحد بقي خارج الاتفاق، والحركات تكاثرت بدلاً من أن تختفي.

بالنسبة إلى المجتمع الدولي، نجحت العملية في إنتاج وثيقة وتوقيع.

لكنها فشلت في إنتاج قبول.

بالنسبة إلى مناوي، نجحت الصفقة في تحويله إلى كبير مساعدي الرئيس ورئيس السلطة الانتقالية.

لكنها فشلت في تحويل المنصب إلى القوة التي توقعها.

وبالنسبة إلى دارفور، لم يتحول الاتفاق إلى الأمن والتعويض والعودة ونزع السلاح الذي كان يفترض أن يمنح الاتفاق شرعيته.

ولهذا فإن تقييم أبوجا لا ينبغي أن يكون السؤال البسيط: هل كانت مواد الاتفاق جيدة أم سيئة؟

السؤال الأهم هو:

هل كانت بنية الاتفاق قادرة على تنفيذ ما كتبته؟

والجواب الذي تقدمه السنوات الأربع التالية كان، إلى حد بعيد، لا.

23. من «صفقة السلام» إلى سوق السلام

تكمن الأهمية الأعمق لأبوجا في أنها ساهمت في تغيير طبيعة الثورة المسلحة في دارفور.

قبلها كانت الحركات تتنافس أساساً على الميدان والتمثيل.

بعدها أصبحت هناك سوق إضافية: سوق اتفاقات السلام.

كل فصيل يمكن أن يصبح طرفاً.

كل قائد يمكن أن يصبح مفاوضاً.

كل مفاوض يمكن أن يصبح موقعاً.

وكل موقع يمكن أن يتحول إلى منصب.

هذه السلسلة خلقت حافزاً هيكلياً للانشقاق.

والمؤتمر الوطني فهم ذلك بسرعة.

بدلاً من أن يسأل: كيف نتوصل إلى اتفاق مع حركة موحدة؟

أصبح السؤال الأكثر فائدة له:

كم فصيلاً يمكن أن يدخل الاتفاق منفرداً؟

وهنا يكون «السلام» نفسه قد دخل منطق السوق السياسي.

فالمنصب يصبح سعراً.

والتوقيع يصبح سلعة.

والقوة العسكرية تصبح رأس مال تفاوضياً.

والانشقاق يصبح وسيلة لإنشاء شركة سياسية جديدة.

والوسيط الدولي، من دون أن يقصد بالضرورة، يستطيع أن يزيد قيمة هذه الشركات بمجرد دعوتها إلى الطاولة.

وهذا هو الجانب الذي يجعل أبوجا أكثر من اتفاق فاشل.

إنها محطة أعادت تشكيل طريقة ممارسة العمل المسلح والسياسي في دارفور.

24. القفص المذهّب: الخلاصة

في حسكنيتة حصل مناوي على القيادة.

وفي أبوجا صرف جزءاً من قيمة القيادة.

وفي الخرطوم اكتشف حدود ما اشتراه بالتوقيع.

وهنا تكتمل استعارة «القفص المذهّب».

القفص مذهّب لأن فيه منصب كبير مساعدي الرئيس، والقصر، والحرس، والسلطة الانتقالية، والمقاعد الحكومية، والاعتراف الدولي.

لكنه قفص لأن أدوات القوة الفعلية ظلت في مكان آخر.

المالية ليست في يده.

الأمن ليس في يده.

الجيش ليس في يده.

تنفيذ الاتفاق ليس في يده وحده.

ونزع سلاح الجنجويد ليس في يده.

وفي اللحظة التي وقع فيها، بدأ يفقد أيضاً جزءاً من الأداة الوحيدة التي كانت في يده من قبل: القوة العسكرية المستقلة.

ولذلك كانت المفارقة قاسية.

دخل القصر لأنه كان يمتلك جيشاً.

ثم بدأ الجيش يتفكك لأنه دخل القصر.

ومع تفكك الجيش أصبح القصر أقل اهتماماً بإرضائه.

فأصبح المنصب أكبر من القوة التي تقف خلفه.

وهذه هي الصورة التي التقطتها دراسات تلك الفترة حين وصفت وضعه بـ«القفص المذهّب».

لكن المأساة الأوسع ليست مأساة مناوي وحده.

فأبوجا ساهمت في تحويل أزمة دارفور من صراع بين الدولة وعدد محدود من الحركات الكبيرة إلى سوق مزدحمة بالفصائل والانشقاقات والتوقيعات والوسطاء والرعاة الإقليميين.

والاتفاق الذي كان يفترض أن يخفض عدد المتحاربين ساعد، بصورة مباشرة وغير مباشرة، على زيادة عدد اللاعبين السياسيين المسلحين. وقد خلصت الدراسات التي تابعت الفترة التالية مباشرة إلى أن اتفاق أبوجا سرّع تشظي التمرد إلى كتل أصغر، فيما تضاءل جناح مناوي نفسه بسرعة.

وهنا تكتمل الصلة مع مؤتمر حسكنيتة.

حسكنيتة أثبتت أن السيطرة على المنظمة يمكن أن تنتج رئاسة.

وأبوجا أثبتت أن الرئاسة يمكن أن تنتج توقيعاً.

والتوقيع أثبت أن التوقيع يمكن أن ينتج منصباً.

ثم اكتشف القادة الميدانيون الآخرون الدرس الأخطر:

إذا كان الانشقاق يستطيع أن يصنع رئيساً، والرئيس يستطيع أن يصبح مفاوضاً، والمفاوض يستطيع أن يوقع، والتوقيع يستطيع أن ينتج منصباً وموارد، فلماذا يبقى القائد تابعاً داخل حركة كبيرة بدلاً من أن يؤسس حركته الخاصة؟

هنا تحديداً تغيرت قواعد اللعبة.

ولذلك لم يكن فشل أبوجا مجرد فشل في تنفيذ اتفاق سلام.

كان فشلاً في تصميم سوق السلام نفسه.

بدلاً من أن يكافئ الوحدة، كافأ الانشقاق.

وبدلاً من أن يرفع تكلفة الخروج من الحركة، خفضها.

وبدلاً من أن يجعل الشرعية ناتجة عن قاعدة اجتماعية واسعة، سمح أحياناً بأن تنتج من اعتراف وسيط أو توقيع بروتوكول.

وبدلاً من أن ينزع السلاح من السوق السياسي، خلق مساراً يستطيع فيه حامل السلاح أن يحول قوته العسكرية إلى قيمة تفاوضية ثم إلى حصة في الدولة.

ولهذا، فإن الخلاصة الأدق لأبوجا ليست أن مناوي «باع القضية مقابل منصب». هذه عبارة سياسية سهلة، لكنها أضعف من التحليل.

الأعمق هو أن بنية أبوجا سمحت بتحويل رأس المال العسكري إلى رأس مال حكومي قبل أن تحل الأسباب التي أنتجت الحرب. وحين حدث ذلك، حصل الموقع على عائده المباشر، وحصلت الحكومة على توقيعه، وحصل الوسطاء على اتفاقهم، لكن النازح لم يحصل بعد على الأمن الذي يسمح له بالعودة، والضحية لم تحصل على جبر الضرر الذي تنتظره، والمليشيات لم تُنزع أسلحتها بالصورة التي تعيد الثقة، والحركة لم تتحول إلى مؤسسة سياسية مستقرة.

وبعد أربع سنوات خرج مناوي من القصر وعاد إلى المعارضة المسلحة.

وبذلك أغلقت الدائرة:

دخل أبوجا بقوة السلاح ليخرج منه بمنصب؛ ودخل الخرطوم بالمنصب ليكتشف أن المنصب بلا قوة؛ وحين فقد المنصب قدرته على إنتاج العائد عاد مرة أخرى إلى السلاح.

هذه ليست فقط قصة مناوي.

إنها، بلغة نموذج السوق السياسي، قصة الطريقة التي يمكن بها لاتفاق سلام ناقص أن يعيد تدوير الحرب بدلاً من إنهائها.

مركز الدراسات المدنية والديمقراطية السوداني
اغسطس 2026
@ #

Address

النبى تىعلؤ
Norwood Young America, MN

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when هافانا بانانا posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Shortcuts

Share