01/09/2026
بيان صحفي
مركز القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان يحذر من مخاطر خصخصة التعليم العام ويدعو إلى حماية مجانية التعليم وجودته وضمان تكافؤ الفرص
يعبّر مركز القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان عن بالغ قلقه إزاء تنامي مظاهر الاعتماد على التعليم الخاص وارتفاع الرسوم والتكاليف المرتبطة بالتعليم في مراحل التعليم الأساسي والثانوي والتعليم العالي، وما قد يترتب على اتساع هذه الظاهرة، في ظل الظروف الاقتصادية والإنسانية الراهنة في اليمن، من مخاطر تمس جوهر الحق في التعليم ومبدأ تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية.
ويؤكد المركز أن التعليم ليس سلعة تجارية أو امتيازاً مرتبطاً بالقدرة المالية للأسرة، وإنما هو حق من حقوق الإنسان والتزام قانوني يقع في المقام الأول على عاتق الدولة، وأن وجود مؤسسات تعليمية خاصة لا يعفي الدولة من مسؤوليتها عن توفير نظام تعليم عام كافٍ ومتاح وميسور وعالي الجودة، ولا يبرر نقل العبء المالي الأساسي للتعليم إلى الطالب أو ولي الأمر.
أولاً: الحق في التعليم التزام قانوني وليس خدمة تجارية .
- ينص الدستور اليمني في المادة (54) صراحةً على أن التعليم حق لجميع المواطنين تكفله الدولة، وأن التعليم الأساسي إلزامي. كما ينص القانون العام للتربية والتعليم رقم (45) لسنة 1992م في المادة (6) على اعتبار التعليم حقاً واستثماراً بشرياً، وتقرر المادة (8) أن التعليم مجاني في جميع مراحله وتكفله الدولة، بينما تؤكد المادة (9) التزام الدولة بتحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص في التعليم ومراعاة الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تحول دون استفادة بعض الأسر من حق أبنائها في التعليم.
ومن ثم، فإن أي سياسات أو إجراءات تؤدي عملياً إلى تحويل التعليم العام إلى خدمة مدفوعة أو تجعل القدرة المالية معياراً أساسياً للالتحاق بالتعليم أو الاستمرار فيه، يجب أن تخضع لمراجعة قانونية وحقوقية دقيقة، ولا سيما عندما تؤدي إلى حرمان الأطفال والشباب من التعليم أو زيادة الفوارق الاجتماعية بينهم.
ثانياً: الضمانات الدولية لمجانية التعليم وتكافؤ الفرص.
- أكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة (26) أن التعليم حق لكل إنسان، وأن التعليم في مراحله الأولى والأساسية يجب أن يكون مجانياً.
- ألزم العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، في المادة (13) الدول الأطراف بجعل التعليم الابتدائي إلزامياً ومتاحاً مجاناً للجميع، والعمل تدريجياً على إتاحة التعليم الثانوي، بما فيه التعليم الفني والمهني، والتعليم العالي على أساس تكافؤ الفرص والقدرة، مع السعي إلى التوسع التدريجي في مجانية التعليم.
- تؤكد اتفاقية حقوق الطفل، المادة (28) حق الطفل في التعليم، وإلزام الدول بجعل التعليم الابتدائي إلزامياً ومجانياً، واتخاذ التدابير اللازمة لإتاحة التعليم الثانوي والوصول إليه، وتعزيز إتاحة التعليم العالي وفقاً للقدرات وبالوسائل المناسبة.
- كما تؤكد المادة (41) من الميثاق العربي لحقوق الإنسان أن الحق في التعليم حق للجميع، وأن الدول الأطراف تضمن لمواطنيها التعليم المجاني على الأقل في المرحلتين الابتدائية والأساسية، وأن يكون التعليم الإلزامي متاحاً للجميع دون تمييز.
- في سياق النزاع المسلح فإن حماية التعليم لا تنفصل عن قواعد القانون الدولي الإنساني إذ تنص المادة (4/3/أ) من البروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977 على وجوب توفير التعليم للأطفال، بما في ذلك التعليم الديني والأخلاقي، وفقاً لرغبات الوالدين أو من يتولى رعايتهم.
ثالثاً: التعليم الخاص لا يلغي مسؤولية الدولة .
يشدد المركز على أن القانون الدولي لحقوق الإنسان لا يحظر إنشاء المدارس والجامعات الخاصة لكنه لا يسمح بأن يؤدي نمو القطاع الخاص إلى تراجع الدولة عن مسؤوليتها في ضمان الحق في التعليم.
فالعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية يقر بحرية الأفراد والهيئات في إنشاء وإدارة المؤسسات التعليمية على أن تلتزم تلك المؤسسات بالمعايير التعليمية التي تضعها أو تعتمدها الدولة وأن تخضع العملية التعليمية للمبادئ والغايات المقررة للحق في التعليم.
وعليه فإن المشكلة الحقوقية لا تكمن في وجود التعليم الخاص بحد ذاته وإنما في تحول التعليم الخاص من خيار مكمل للتعليم العام إلى بديل اضطراري بسبب تراجع المدارس والجامعات الحكومية، أو في غياب الرقابة الفعالة على الرسوم والمعايير والجودة وعدم التمييز وحماية الطلاب..
رابعاً: مخاطر خصخصة التعليم على الطالب والأسرة
يحذر المركز من أن استمرار توسع التعليم المدفوع، دون سياسات عامة فعالة لضمان مجانية التعليم العام وجودته، قد يؤدي إلى:
1- زيادة الفوارق الطبقية والاجتماعية بين الطلاب، بحيث يحصل أبناء الأسر القادرة مالياً على فرص تعليمية أفضل من أبناء الأسر الفقيرة.
2- ارتفاع معدلات التسرب من التعليم نتيجة عجز الأسر عن تحمل الرسوم الدراسية والنفقات غير المباشرة.
3- تحميل ولي الأمر أعباء مالية متزايدة تشمل الرسوم والكتب والزي والنقل والأنشطة والاختبارات وغيرها.
4- دفع الأسر الفقيرة إلى المفاضلة بين تعليم أطفالها وتوفير الاحتياجات الأساسية للغذاء والسكن والصحة.
5- زيادة مخاطر عمالة الأطفال والزواج المبكر وغيرها من آليات التكيف السلبية عندما تعجز الأسرة عن إبقاء أطفالها في المدارس.
6- تعميق الفجوات بين الريف والمدن وبين المناطق الغنية والفقيرة، وبين الجنسين والفئات الأكثر هشاشة.
7- التأثير بصورة أكبر على الأطفال ذوي الإعاقة والنازحين والأطفال المنتمين إلى الأسر محدودة الدخل.
8- تحويل التعليم تدريجياً من حق قائم على المساواة إلى خدمة تعتمد على القدرة الشرائية.
وتؤكد المعايير الدولية أن مجانية التعليم الأساسي لا تعني فقط إلغاء الرسم الدراسي المباشر، بل تستلزم أيضاً معالجة التكاليف غير المباشرة التي قد تشكل عائقاً فعلياً أمام الالتحاق والاستمرار في التعليم.
خامساً: التعليم العام في اليمن أمام خطر مضاعف.
- يرى المركز أن من أخطر ما يواجه اليمن اليوم أن ضعف التعليم العام لا يحدث في ظروف طبيعية، وإنما في ظل حرب وانقسام مؤسسي وأزمة اقتصادية وإنسانية ممتدة.
- وتشير بيانات اليونيسف إلى أن أكثر من 3.2 مليون طفل في سن 5–17 عاماً كانوا خارج المدرسة في عام 2026، فيما يواجه الأطفال الموجودون في المدارس اكتظاظاً ونقصاً في التجهيزات ومعلمين مرهقين وغير مدعومين، كما تضررت أو دمرت آلاف المدارس.
- كما تشير اليونيسف إلى أن الأزمة التعليمية في اليمن تشمل المناطق الواقعة تحت سلطات مختلفة؛ ففي المناطق الشمالية، يعاني المعلمون من عدم انتظام أو عدم تلقي الرواتب منذ سنوات، الأمر الذي ساهم في خروج أعداد من المعلمين من المهنة وتدهور البيئة التعليمية.
- وفي المناطق الخاضعة للحكومة المعترف بها دولياً، لا تزال المدارس تواجه تحديات مرتبطة بالفقر والنزوح وتراجع التمويل وتضرر البنية التحتية، الأمر الذي يجعل إصلاح التعليم العام وتمويله بصورة مستدامة أكثر إلحاحاً، وليس تقليصه أو إحلال التعليم التجاري محله. وتؤكد بيانات الأمم المتحدة واليونيسف أن ملايين الأطفال في اليمن ما زالوا خارج المدرسة أو معرضين للانقطاع عنها.
سادساً: التعليم والجودة والهدف الأممي لعام 2030
- يؤكد المركز أن اليمن، بوصفه جزءاً من منظومة أهداف التنمية المستدامة، يواجه التزاماً تنموياً واضحاً في إطار الهدف الرابع (SDG 4)، الذي يدعو إلى ضمان التعليم الجيد المنصف والشامل للجميع.
- ويستهدف الهدف 4.1 بحلول عام 2030 ضمان إكمال جميع البنات والبنين تعليماً ابتدائياً وثانوياً مجانياً ومنصفاً وعالي الجودة، كما يستهدف 4.3 ضمان تكافؤ الوصول إلى التعليم التقني والمهني والعالي الميسور والجيد، ويؤكد الهدف 4.5 القضاء على التفاوت وضمان وصول الفئات الهشة إلى جميع مستويات التعليم.
- ومن ثم، فإن عام 2030 ليس موعداً لخفض مسؤولية الدولة عن التعليم، وإنما يمثل إطاراً دولياً لتعزيز إتاحة التعليم المجاني والمنصف والجيد وتحقيق تكافؤ الفرص.
سابعاً: مطالب مركز القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان
بناءً على ما سبق، يدعو مركز القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان السلطات اليمنية، في جميع المناطق، إلى:
1- التأكيد رسمياً على أن التعليم العام حق أساسي والتزام قانوني، وليس سلعة أو خدمة تجارية.
2- حماية مبدأ مجانية التعليم العام، وبوجه خاص التعليم الأساسي، والعمل على إزالة الرسوم والتكاليف المباشرة وغير المباشرة التي تشكل عائقاً أمام التحاق الأطفال بالتعليم واستمرارهم فيه.
3- عدم استخدام التوسع في التعليم الخاص كبديل عن الاستثمار في التعليم العام، وعدم السماح بتراجع الدولة عن مسؤوليتها في تمويل المدارس والجامعات الحكومية.
4- وضع إطار وطني موحد لتنظيم التعليم الخاص، يتضمن رقابة صارمة على الرسوم، وجودة المناهج، ومؤهلات المعلمين، وسلامة البيئة التعليمية، وعدم التمييز، وحماية الطلاب من الاستغلال المالي.
5- ضمان عدم حرمان أي طالب من التعليم بسبب عجز أسرته عن دفع الرسوم، مع توفير آليات للمنح والإعفاءات والدعم الاجتماعي للفئات الأكثر هشاشة.
6- إعطاء الأولوية لدفع رواتب المعلمين وتحسين أوضاعهم المهنية، باعتبار المعلم أحد أهم عناصر ضمان جودة التعليم.
7- إعادة تأهيل المدارس والجامعات الحكومية المتضررة، وتوفير المياه والصرف الصحي والكهرباء والمختبرات والمكتبات والوسائل التعليمية والتكنولوجية اللازمة.
8- وضع خطة وطنية عاجلة لإنقاذ التعليم العام، بمشاركة وزارات التربية والتعليم والتعليم العالي والسلطات المحلية والنقابات والمعلمين ومنظمات المجتمع المدني وأولياء الأمور والطلاب.
9- ضمان توحيد الحد الأدنى من معايير التعليم والمناهج والامتحانات والشهادات، بما يحول دون تعميق الانقسام المؤسسي والتعليمي بين المناطق اليمنية.
10- إعطاء اهتمام خاص للأطفال النازحين وذوي الإعاقة والفتيات والأطفال في المناطق الريفية والأشد فقراً، وضمان عدم تحول الظروف الاقتصادية أو النزاع المسلح إلى سبب دائم للحرمان من التعليم.
ثامناً: رسالة المركز
- إن إضعاف التعليم العام في بلد يعاني من الفقر والنزاع والانقسام لا يؤدي إلى تحرير التعليم، بل قد يؤدي إلى تحويله إلى امتياز اقتصادي لا يستطيع الحصول عليه إلا القادرون على دفع تكلفته.
- إن ترك المدارس الحكومية تتدهور، ثم دفع الأسر نحو التعليم الخاص باعتباره الخيار الوحيد المتاح، من شأنه أن يعمق عدم المساواة ويهدد مستقبل أجيال كاملة، ويزيد من معدلات الأمية والتسرب وعمالة الأطفال والفقر، ويقوض فرص التعافي والسلام والتنمية في اليمن.
- يؤكد المركز أن إصلاح التعليم العام لا يكون بتحميل الطالب وولي الأمر تكلفة انهيار النظام التعليمي، وإنما بإعادة بناء الدولة لمسؤوليتها القانونية في تمويل التعليم وضمان جودته وعدالته وإتاحته للجميع.
كما يدعو المركز المجتمع الدولي والمانحين ووكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية إلى دعم النظام التعليمي العام في اليمن، وتمويل إعادة تأهيل المدارس وتدريب المعلمين ودفع أجورهم، وتوفير التعليم للأطفال خارج المدرسة، بدلاً من ترك الأسر تتحمل بصورة متزايدة تكلفة الوصول إلى التعليم.
- يؤكد مركز القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان أن الحق في التعليم هو حق إنساني، وواجب دستوري، والتزام تعاقدي دولي، وأساس لتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية والسلام، وأن حماية مجانية التعليم وجودته وتكافؤ فرص الوصول إليه تمثل مسؤولية مشتركة، تتقدمها مسؤولية الدولة ولا يجوز التنازل عنها تحت أي مبرر.
صادر عن: مركز القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان – CIHLHR
التاريخ: 1 سبتمبر/أيلول 2026