16/08/2026
حروف اللوم…
لكن هذه المرة على أنفسنا
بعد مشاركتنا في الدورة الودية التي أُقيمت في بني حميدان يومي 9 و10 أوت 2026، وصلنا يوم 8 أوت، أي قبل انطلاق الدورة بيوم.
وصلنا فوجدناهم في الساعات الأخيرة من التحضير: تركيب الكشّافات، رفع الأعلام واللافتات، تجهيز مكبرات الصوت، تنظيف المكان، ووضع اللمسات الأخيرة على الحلبة… وكل واحد منهم يعمل وكأنه مسؤول عن تنظيم دورة وطنية.
كنت أراقب من بعيد وقلت في نفسي:
هؤلاء أكيد أعضاء في مديرية الشباب والرياضة أو الرابطة الولائية للملاكمة.
اقتربت منهم… وكانت المفاجأة.
لم يكونوا مسؤولين، ولا موظفين، ولا منظمي تظاهرات رياضية.
كانوا أولياء ملاكمين وسكانًا من بني حميدان.
قلت في نفسي: يا الله…!
بلدية صغيرة في حجمها، لكن ما رأيناه فيها كان أكبر بكثير من حجمها.
ومنذ تلك اللحظة بدأت أسأل نفسي:
هل نستطيع نحن يومًا أن نستضيف وفودًا من مختلف الولايات، وننظم دورة مثل هذه؟
وبكل صراحة… لم أكن أملك الجواب.
لأنني اكتشفت أن تنظيم دورة ليس حلبة وكؤوسًا وميداليات فقط، بل هو رجال، وقلوب، وتعاون، وكرم، وإحساس بالمسؤولية.
وبعد عودتنا، نشرنا ما عشناه، وتحدثنا عن حسن استقبال أهل بني حميدان وكرمهم، وعن كل ما قدموه لأبنائنا.
فانهالت التعليقات من أهل بني حميدان، يدعون لنا بالتوفيق ويقولون بكل محبة:
سنزوركم في الماء الأبيض، ونلتقي بكم في دورة ودية.
وهنا كانت المفاجأة الثانية…
ليس في كلام أهل بني حميدان، بل في صمتنا نحن.
لم أستغرب أن لا يرد البعض على منشوري، لكنني استغربت أكثر أن تمر تعليقات أناس فتحوا بيوتهم لأبنائنا، وأكرموهم ووقفوا معهم، دون أن نجد حتى كلمة: أهلًا وسهلًا بكم.
وهنا فقط فهمت شيئًا مؤلمًا:
المشكلة ليست في المال، ولا في الحلبة، ولا في الإمكانيات… المشكلة في الروح التي تجعل الناس يتعاونون من أجل أبنائهم.
وأنا هنا لا ألوم أحدًا…
بل ألوم نفسي قبل الجميع.
لأن بني حميدان أعطتنا درسًا في التنظيم، ودرسًا في الكرم، ودرسًا في الأخلاق، والأهم من ذلك كله… جعلونا نسأل أنفسنا:
هل نحن مستعدون فعلًا لاستقبال الآخرين كما استقبلونا هم؟
لكن تجربة بني حميدان جعلتني أتوقف أيضًا عند واقعنا نحن.
نحن نعيش في منطقة ما زالت فيها العقلية العروشية حاضرة. ومع مرور السنوات ومعاشرَتي لأهل المنطقة عن قرب، بدأت أفهم أن المشكلة أعمق مما كنت أتصور.
فحتى داخل العرش الواحد ظهرت تقسيمات وفروع متعددة، حتى أصبح الناس أحيانًا يعرّفون أنفسهم بالفرع قبل أن يتذكروا ما يجمعهم.
وهنا فهمت أن المشكلة ليست في اختلاف الأسماء أو الانتماءات، وإنما في الفرقة التي أصبحت أقوى من المصلحة المشتركة.
والدليل على ذلك الانتخابات البرلمانية.
فبالرغم من أن بلدية الماء الأبيض كانت تملك مقعدين، لم تستطع أن تتكاتف ونوحد كلمتنا من أجل إيصال ممثل يحمل صوت منطقتنا.
وهنا سألت نفسي:
إذا كنا لا نستطيع أن نتفق حتى على من يمثلنا، فكيف سنستطيع أن نتفق على مشروع يخدم أبناءنا؟
أما أنا، ففي عملي مع الأطفال أحاول جاهدًا أن أزرع فيهم ما افتقدناه نحن:
الأخوة، التعاون، احترام الآخر، والعمل معًا من أجل هدف واحد.
ربما لا أستطيع أن أصلح مجتمعًا بأكمله، لكنني أؤمن أن ما نزرعه في الأطفال اليوم، قد يصنع مجتمعًا أفضل غدًا.
ومن هنا جاءت فكرة تنظيم دورة في الماء الأبيض.
لا أريدها مجرد حلبة وميداليات وصور. أريدها فرصة لنجمع أبناءنا، ونستقبل أندية من مختلف الولايات، ونثبت لأنفسنا قبل غيرنا أن الرياضة تستطيع أن تجمعنا حول هدف واحد.
فربما تكون هذه الدورة أكثر من مجرد منافسة رياضية…
ربما تكون محاولة صغيرة لكسر عقلية كبيرة اعتادت الفرقة.
وبني حميدان علمتنا درسًا لن أنساه:
البلديات لا تكبر بحجمها… وإنما تكبر برجالها عندما تتوحد كلمتهم.